موريتانيا
ثقافة

من خيام بوتلميت إلى نواكشوط: كيف شكّلت الأقسام الداخلية نخب موريتانيا وقادت المعارضة؟

صحراء ميديا١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٢ م0 مشاهدة
من خيام بوتلميت إلى نواكشوط: كيف شكّلت الأقسام الداخلية نخب موريتانيا وقادت المعارضة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "السكن المدرسي في موريتانيا.. قصة أقسام داخلية كوّنت نخب الدولة واحتضنت المعارضة" نشر أولاً على موقع صحراء ميديا وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ أيام الاستقلال الأولى، لعبت الأقسام الداخلية في موريتانيا دورًا محوريًا في تشكيل أجيال من القادة والمعارضين. بدأت القصة في خيام بوتلميت قبل الاستقلال، لتتطور إلى الأقسام الداخلية للثانوية الوطنية في نواكشوط. لم تكن هذه المؤسسات مجرد أماكن للسكن، بل كانت حاضنات للنخب التي بنت الإدارة الوطنية، ومساحات للنقاش السياسي وتنظيم الحركات الطلابية المعارضة لنظام المختار ولد داداه. بعد توقف دام عقودًا، تعود الحكومة الموريتانية لإحياء هذه التجربة، مستندة إلى دورها في توفير بيئة تعليمية مناسبة للتلاميذ، وإن اختلفت الدوافع والسياقات عن بداياتها.

تعود جذور نظام السكن الداخلي إلى فترة ما قبل الاستقلال، حيث اعتمدت مدارس المستعمر الفرنسي هذا النظام. وبعد الاستقلال عام 1960، استمرت حكومة المختار ولد داداه في اعتماده، وكانت الثانوية الوطنية في نواكشوط أبرز مثال على ذلك.

خيام وأضراس جيدة: حياة الطلاب في بوتلميت

يستذكر الرئيس الراحل المختار ولد داداه تجربته في السكن الداخلي بمدرسة بوتلميت الابتدائية، حيث كان والده قد أرسله للدراسة في مدارس «النصارى» عام 1930. وصف ولد داداه في مذكراته الخيام العشر التي كانت تؤوي التلاميذ، حيث يخصص لكل خيمة عشرة طلاب يتشاركون الانتماء القبلي أو الجهوي. كان الأثاث بسيطًا، يتكون في بعض الخيام من حصيرة واحدة، وفي أخرى من حصائر قليلة. في الشتاء، كانت الأغطية الفردية الصغيرة توفر الدفء. لم تكن الوجبات منتظمة، فالإفطار كان نادرًا، بينما كان الغداء والعشاء يقدمان بانتظام في صحون حديدية كبيرة. كان الغداء يتكون من الأرز ولحم وصفه بـ«الرديء جدًا» ويتطلب «أضراسًا جيدة» لمضغه. أما العشاء، فكان غالبًا عصيدة، ونادرًا ما يستبدل بالكسكس مع اللحم. كانت الألعاب التقليدية مثل الكعاب والتود والمصارعة متنفسًا للطلاب من رتابة الحياة. في تلك الخيام، احتك طلاب من مناطق وخلفيات اجتماعية مختلفة، مما عزز التعارف في مجتمع كانت فيه الروابط القبلية والجهوية قوية.

ثانوية المتفوقين: بناء الكوادر الوطنية

بعد استقلال موريتانيا، تحول التركيز إلى بناء جهاز إداري وطني. في عام 1961، افتتحت الثانوية الوطنية في نواكشوط، التي كانت لا تزال قيد الإنشاء، لتكون مؤسسة أساسية لتكوين الكوادر. كان القبول في الثانوية مقتصرًا على المتفوقين في الدراسة، مما جعلها تستقطب الطلاب الأكثر اجتهادًا لسد النقص في الوظائف التي يشغلها الأجانب.

من بين خريجيها البارزين الوزير السابق الراحل محمد المختار الزامل، والوزير السابق إسلم ولد عبد القادر، والوزير السابق والمهندس المصطفى ولد مولود. الأخير، على الرغم من تأخر التحاقه بالتعليم الابتدائي، أظهر تفوقًا دراسيًا أهّله لاختصار المرحلة الابتدائية وحل في المرتبة الثانية وطنيًا في مسابقة دخول الإعدادية. في عام 1963، انتقل ولد مولود إلى نواكشوط، حيث التقى طلابًا من مختلف مناطق موريتانيا، مما وسع آفاقه ومهّد لاهتمامه بالشأن السياسي.

كان نظام الدراسة في الثانوية الوطنية يبدأ عند الثامنة صباحًا حتى منتصف النهار، ثم يستأنف بعد فترة راحة. عقب الدروس، كان الطلاب يمارسون الرياضة قبل العودة إلى السكن الداخلي.

مختبر الحراك السياسي: النقاشات والتحركات الطلابية

شهد السكن الداخلي للثانوية الوطنية في الستينيات حراكًا فكريًا وسياسيًا متصاعدًا، متأثرًا بالتيارات القومية العربية والأفكار اليسارية. أصبحت الأقسام الداخلية ساحة للنقاش حول هوية البلاد ولغتها ومستقبلها السياسي. وجدت خطابات جمال عبد الناصر وبرامج إذاعة «صوت العرب» صدى لدى الطلاب، وارتبطت المطالبة بترسيم اللغة العربية بسجال أوسع حول هوية الدولة ونظامها التعليمي.

انطلقت من السكن الداخلي تحركات طلابية تطالب بترسيم العربية، في مقابل طلاب تمسكوا بالفرنسية، مما أدى إلى توترات. تصاعدت الأزمة في عام 1966 عقب قرارات إلزامية تدريس العربية، وانتهت بمواجهات دامية أسفرت عن مقتل ستة أشخاص وإصابة العشرات.

في الثانوية الوطنية، تحول النشاط السياسي إلى تنظيم التحركات الطلابية المعارضة لنظام المختار ولد داداه. كُتبت المنشورات السياسية داخل الغرف، ونوقشت خطط الإضرابات والمظاهرات. كانت حركة الكادحين، التي تأسست عام 1968، نشطة سراً في أوساط الطلاب والعمال، ووجدت أفكارها طريقها إلى المدارس. في العام الدراسي 1972-1973، قاد طلاب محسوبون على الحركة إضرابًا في الثانوية الوطنية احتجاجًا على قرار السلطات إرسال اثني عشر طالبًا ناشطًا إلى التجنيد العسكري، بعد مطالبهم بترسيم اللغة العربية وزيادة المنح.

اتسع دور السكن الداخلي ليشمل مسارين متداخلين: احتضان التلاميذ المتفوقين الذين تعوّل عليهم الدولة، وتسهيل انتقال الأفكار السياسية وتبلور الحركات المعارضة. فبينما كان المختار ولد داداه يولي التعليم أولوية، كانت الأقسام الداخلية تشهد نقاشات وتحركات أسهمت في تشكيل جيل من الناشطين السياسيين.

عودة التجربة: دعم التعليم في العصر الحديث

بعد عقود من التوقف، عادت الحكومة الموريتانية لتبني تجربة السكن الداخلي في سياق مختلف، بهدف توفير ظروف دراسية للتلاميذ الذين تعيق المسافة أو الهشاشة الاجتماعية استفادتهم الكاملة من التعليم. في أبريل الماضي، بدأت الحكومة تطبيق التجربة في مقاطعة أوجفت بولاية آدرار، من خلال تدشين سكن داخلي لتلاميذ المرحلتين الإعدادية والثانوية.

يوفر السكن خدمات الإيواء والإطعام، بالإضافة إلى دروس تقوية في مواد أساسية مثل الرياضيات والعلوم والفيزياء والتربية الإسلامية، بهدف دعم التحصيل الدراسي. صرحت وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، هدى باباه، بأن المشروع يستهدف مساعدة الأسر المتعففة وتوفير ظروف ملائمة لأبنائها. يتم اختيار التلاميذ بناءً على معايير تراعي الهشاشة الاجتماعية وبُعد أماكن سكنهم عن المؤسسات الثانوية، بهدف تكوين جيل يجمع قيم الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي.

شارك الخبر: