موريتانيا
سياسة

الأصل التجاري: كيف يهدد تدهور الدولة مصير موريتانيا؟

صحراء ميديا١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٨ م0 مشاهدة
الأصل التجاري: كيف يهدد تدهور الدولة مصير موريتانيا؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حتى لا يضيع “الأصل التجاري”" نشر أولاً على موقع صحراء ميديا وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ربيع عام 2018، وبينما كنت عائدًا من إجازة، زرت عميد الكلية التي كنت أدرّس فيها. كان صديقًا عزيزًا ومثقفًا ضليعًا في القانون التجاري. فوجئت بسؤاله عن الوضع في البلاد، وحاولت التهرب من الخوض في تفاصيل لا أرغب في مناقشتها، خاصة وأن الحالة العامة لم تكن تبعث على الارتياح، وكان من الصعب تبريرها أمام شخص بمثل مداركه. وفي الوقت نفسه، لم أرد المساهمة في كشف سلبياتها أمام الجميع، فهذه مهمة يقوم بها الكثيرون. للخروج من الموقف، رويت له حوارًا دار بيني وبين أحد المهتمين بالسياسة في البلاد. عندما سألني عن نظرة المغتربين للفعل السياسي المحلي، أجبت مازحًا: الأهم بالنسبة لي أن يحتفظوا لنا بـ”شيء من الدولة” نأخذ فيه إجازاتنا السنوية بشكل مريح.

فاجأني العميد بقوله مبتسمًا: “القدر الذي يؤمّن لكم إجازة مريحة هو الأصل التجاري، وبالتالي لن يفرّط فيه أصحاب السلطة، إذ لن يجدوا ما يستغلونه إذا ضاع”. الأصل التجاري، كما هو معلوم، هو مجموعة من العناصر المادية والمعنوية التي يخصصها التاجر لممارسة نشاطه لجذب الزبائن والاحتفاظ بهم.

استرسل العميد في الحديث عن النخبة الموريتانية التي تعرف على جماعات منها في فرنسا، حيث عاش معظم حياته قبل أن ينتقل للتدريس في الشرق الأوسط. تحدث عن التناقض بين تفوق الطلاب الموريتانيين في الخارج والمخرجات المتواضعة فيما يتعلق ببناء دولة مؤسسات توفر خدمات جيدة. كما تحدث عن الموارد الضخمة مقارنة بحاجيات البلاد، وعن التنمية المفقودة، وذكر تناقضات ومفارقات كثيرة. لدي تفسير منطقي لبعضها، وبعضها لا يمكن تفسيره بالمنطق. في المجمل، لا أهتم بتبريرها، ولا أرتاح للحديث عن بعضها الآخر، إذ أجدني معنيًا بها بشكل أو بآخر. فالكل يتحمل جزءًا من المسؤولية عما آلت إليه الأمور.

في السنوات اللاحقة، لم تغب فكرة “الأصل التجاري” عن ذهني، فقد كانت تراودني وأنا أشاهد الوضع العام يسوء سنة بعد سنة. وحتى القطاعات التي بدا أنها شهدت تحسنًا، سرعان ما عادت للوراء. لا يتسع المجال للحديث عن كل مشاهد القصور والارتكاس في الحياة العامة، فأينما يممت وجدت مظاهر المعاناة والبؤس. هذا الوضع تفاقم جراء أزمات الصحة والتعليم والغلاء والكهرباء، وصولًا إلى أزمة الصرف الصحي التي تفاقم آثار أمطار الخريف، وتحول العاصمة كل عام إلى مدينة منكوبة. ولا تقف مظاهر القصور عند هذا الحد، بل تمتد إلى آليات انتقاء النخب الأكاديمية والبيروقراطية والمهنية، أي إلى المسابقات التي أصبح جلّها يفرز عددًا أكبر من المحتجين المطالبين بإلغاء نتائجها بسبب الخروقات المتكررة. وغياب الكفاءة في إدارة بعض المسابقات لا تخطئه العين.

ومما يزيد هذه المفارقة إيلامًا أن المتسابقين يمثلون صفوة البلد المتعلمة، التي يفترض أن تكون موضع تقدير، لا أن تجد نفسها في مواقف متكررة تضطر فيها إلى الاحتجاج والتشكيك في نزاهة الاستحقاقات. وهذا ينطوي على إهانة، ويكشف جانبًا آخر من جوانب الخلل في واقع البلاد. هذا الوضع انعكس بشكل ملموس على مصداقية الدولة، وبالتبعية، على مدى ثقة الناس فيها. وهنا تكمن الخطورة، فالمصداقية والثقة عنصران مهمان في بنية الدولة، يتآكلان مع استمرار الأزمات دون حلول جذرية، وتراكم المظالم دون البت فيها. وعندما تغيب المصداقية وتنعدم الثقة، تسقط هيبة الدولة، وحينها قد نفقد “الأصل التجاري” فيغرق المركب بكل من فيه.

هذه الحقائق تستدعي إعادة ضبط البوصلة، والبحث عن معالجات هيكلية للأزمات المزمنة، وتوجيه الجهود في الاتجاه الصحيح قبل فوات الأوان. ولا ينبغي أن تحجب خطورة هذه الاختلالات المظاهر الاحتفالية الصاخبة التي تصاحب تعيين المسؤولين أو إقالتهم. ذِكْرُ هذه الحقائق والمفارقات هنا هو استشعار للمسؤولية الملقاة على عاتق كل أبناء البلد في الحفاظ على “الأصل التجاري” الذي إن ضاع فلن يكون لنا أصل آخر نركن إليه. فمصير الدولة مسؤولية مشتركة.

شارك الخبر: