تحول المثقف إلى مبرر: قراءة أدبية في تغير المفاهيم والمكاسب


هذا الخبر بعنوان "المسخ الآخر: حين يصبح المبرر أكثر نجاحا من المثقف" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ شتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستحضر رواية «المسخ» لفرانز كافكا قصة جريجور سامسا الذي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة هائلة، ليبدأ بذلك سقوطه وفقدان عمله ومكانته وحقه الإنساني. وعلى عكس ذلك تماما، تعرض هذه المقالة قصة مثقف افتراضي أُطلق عليه اسم ديدي، والذي استيقظ ذات يوم ليكتشف أنه تحول إلى مبرر، ومنذ تلك اللحظة بدأت مكانته وامتيازاته في الارتفاع المستمر.
كان ديدي في السابق مثقفا محترما يعتمد على قاموسه الذي يحدد المعاني بدقة؛ حيث كان القمع قمعا، والفساد فسادا، والفشل فشلا. ولكن القاموس تغير تدريجيا، فأصبح القمع «إجراءات أمنية»، والفساد «اختلالات»، والفشل «تحديات»، ومخالفة المعايير الفنية «ظروفا قاهرة». وحتى فشل منظومة الصرف الصحي وجد له تفسيرا يلقي المسؤولية على المواطن نفسه الذي جاء إلى نواكشوط من قريته الداخلية دون استشارة.
أدى هذا التحول اللفظي والفكري إلى تحقيق ديدي مكاسب مادية ومهنية واسعة، فشق طريقه نحو القنوات الموالية والعقود الإعلامية وصفقات التراضي، متخليا شيئا فشيئا عن نبرة الاعتراض الأصيلة التي كانت تميز كتاباته. وعلى الرغم من استمراره في استخدام لغة سليمة ومراجع أكاديمية والحديث عن الحكامة والإصلاح، إلا أن مقالاته أصبحت خالية من المعنى الحقيقي والروح النقدية.
وفي نهاية المطاف، وفي إحدى الليالي، استيقظ ديدي ليجد أن قاموسه قد فقد كلمات أساسية مثل «الضمير»، و«الاعتراض»، و«الحق»، واكتشف وجود سرداب خلف الكلمات الجاهزة التي استهلكها مثل «المصلحة العامة» و«الاستقرار». وأدرك أنه انحدر في هذا الطريق منذ أن حذف أول كلمة لم تعجبه، وأصبح العودة إلى الوراء أمرا مستحيلا في ظل اعتياده على حياته الجديدة وامتلاء هاتفه بأرقام نافذة لا يمكن الاستغناء عنها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة