موريتانيا
ثقافة

فقدان البصمة البشرية في عصر الكتابة الآلية: لماذا نبحث عن العيوب في النصوص؟

الأخبار٢١ شتمبر ٢٠٢٦ في ١٠:١٩ ص0 مشاهدة
فقدان البصمة البشرية في عصر الكتابة الآلية: لماذا نبحث عن العيوب في النصوص؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كتابنا الآليون!" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ شتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أجدني مؤخراً أمارس نوعاً من التفتيش العاطفي على كل نص أقرؤه، سواء كان تغريدة، أو رسالة بريد إلكتروني، أو مقالاً طويلاً، متسلحاً بحاسة سادسة تلتقط رائحة الذكاء الاصطناعي من فرط أناقته. النص المولد آلياً يشبه تفاحة الشمع المثالية للزينة؛ لونها قاني، استدارتها هندسية بلا شوائب، وتخلو من خدوش الأغصان أو كدمات السقوط، مما يجعلنا ندرك فوراً أنها ليست حقيقية.

هكذا تبدو النصوص اليوم؛ قوالب نحوية لا تقبل الكسر، ومفردات منتقاة بعناية تفضي إلى نهايات بخط مستقيم، مما يقتل متعة القراءة بسبب الكمال اللغوي البارد. أنت لا تبحث عن التعقيم في الكتابة، بل تبحث عن بصمة إصبع، قطرة عرق، أو رجفة يد تعكس طبيعة الإنسان وتخبطه.

خذ على سبيل المثال شاباً يطلب من الآلة صياغة رسالة دعوة زفاف لصديق طفولته، فتتدفق الكلمات فخمة ورصينة تشبه نشرات الأخبار، لكنها تفتقر للروح ولا تشبه ضحكة الشاب. فيمسحها ويكتب لصديقه بإصبع مرتجف يعبر عن الصدق والعفوية، فالرسالة الأولى كانت لوحة لخطاط، بينما الثانية كانت عناقاً حقيقياً.

مشكلتنا لا تكمن في رداءة النصوص الجاهزة بل في جودتها الصارمة التي تشبه طريقاً مسفلتاً يؤدي إلى النعاس والملل. نحن نفضل الطرق الجبلية الوعرة والكلمات العفوية، وحتى الأخطاء الإملائية الصغيرة التي تفضح استعجال الكاتب، لأننا نقرأ لنلتقي بإنسان يحمل خدوشاً وندبات أفكار، لا لخوارزميات باردة ترتب الكلمات كقطع الشطرنج.

في النهاية، أدى ولعنا المبالغ فيه بالتحسين ومحو العيوب إلى فقدان أصواتنا الخاصة، تماماً كما تفعل الفلاتر بالصور والمؤثرات بالأصوات. دعوا لنا بعض العيوب والنشاز، فالأخطاء وضعفنا البشري هما الدليل الوحيد على أننا ما زلنا أحياء نشعر، بينما الكمال كله للآلات.

شارك الخبر: