بيترو أريتينو: القصة الحقيقية لأول مبتز في تاريخ الأدب وعصر النهضة


هذا الخبر بعنوان "بيترو أريتينو...رائد مدرسة الابتزاز" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعرض في متحف 'فريك' بنيويورك لوحة لرجل ذي وجه مكتنز ولحية كثيفة يرتدي رداءً فاخراً، وتتدلى على صدره سلسلة ذهبية ضخمة لم تكن مجرد حلية، بل كانت دليلاً على قدرة كاتب بدأ حياته فقيراً على تحويل المديح والهجاء إلى ثروة طائلة. هذا الرجل هو بيترو أريتينو، الكاتب الإيطالي الذي عاش في القرن السادس عشر، ويُصنفه المؤرخون بوصفه أول مبتز في تاريخ الأدب والكتابة.
وُلد أريتينو عام 1492 من دون تعليم جيد أو منتظم، وتعرض للنفي من مدينته التي اتخذها اسماً عائلياً له على خلفية نشره لقصيدة هجاء ضد أحد رجال السلطة. انطلق نحو روما التي كانت حينها عاصمة العالم الغربي وحاضنة للبابا والفنانين والأثرياء، وهناك وجد الدعم من التاجر الثري أغوستينو كيجي، مما سمح له بالدخول إلى دوائر الفنانين والكتّاب وبدء رحلة شهرته بعد أن أدرك مبكراً أن مصيره مرتبط بمن يدفع.
في تلك الحقبة، كانت معادلة المديح والصمت تحكم العلاقة بين الأمراء والكتّاب، حيث يُشترى المديح ويُشترى الصمت أيضاً، واستغل أريتينو هذه المعادلة ببراعة مدركاً أن السمعة تمثل رأس مال سياسياً حقيقياً في عصر النهضة. وفي عام 1525، تعرض لهجوم بخنجر في ساعة متأخرة من الليل على يد أحد رجال أسقف سخر منه، مما أسفر عن إصابته بطعنة في الصدر وإصابة بالغة في يده اليمنى، ورغم نجاته بأعجوبة، أدرك أن مهاجمة الجميع بلا حماية تعرضه للموت الحتمي.
غادر أريتينو روما ليستقر نهائياً عام 1527 في البندقية التي كانت آنذاك مركزاً رئيسياً للطباعة والنشر في أوروبا. استثمر هذه الصناعة بذكاء، فبدلاً من توجيه رسائله إلى شخص واحد، صار بمقدوره مخاطبة جمهور واسع وبناء اسم يتجاوز محيطه الجغرافي. ولم يكن يلجأ إلى التهديد المباشر، بل كان يكتب رسائل مفعمة بالثناء على أمراء ورجال دين مع إيحاءات مبطنة بمعرفته للكثير واستحقاقه للكرم، منتظراً الهدية ليواصل المديح، أو محولاً قلمه لاتجاه آخر عند غيابها.
نالت طريقته صدى واسعاً لدى أبرز قادة أوروبا، مثل الإمبراطور شارل الخامس وملك فرنسا فرانسوا الأول اللذين كانا خصمين لدودين، إذ منحاه معاً معاشات أملًا في أن يؤذي قلم أريتينو سمعة الطرف الآخر. وتُعد السلسلة الذهبية التي أهداه إياها فرانسوا الأول شاهداً تاريخياً على مكانته، وهي الظاهرة في البورتريه الشهير بمتحف نيويورك.
أدار أريتينو حياته عبر موازنة دقيقة بين الخوف والاطمئنان، مستمراً في نهجه طوال أربعة وستين عاماً، ورغم محاولاته في أيامه الأخيرة ارتداء قناع ديني، إلا أن سمعته ككاتب مبتز ومتملق ظلت تلاحقه، بينما يراه آخرون رئيساً لرواد الصحافة والشخصيات الشهيرة بالمعنى الحديث. ورغم غياب القوانين واللوائح في عصره لضبط مثل هذه السلوكيات، تظل ظاهرة الابتزاز الإعلامي متكررة بصور مختلفة في عالمنا المعاصر نتيجة غياب المحاسبة وتورط السلطة ذاتها في بعض الأحيان.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة