موريتانيا
سياسة

قراءة نقدية في التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة: بين إنجاز الشفافية وتحديات المساءلة والاسترداد

الأخبار١٨ أغشت ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٤ ص0 مشاهدة
قراءة نقدية في التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة: بين إنجاز الشفافية وتحديات المساءلة والاسترداد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المفتشية بين الطفرة المنهجية والتحديات الرقابية" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أغشت ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يشكل إصدار المفتشية العامة للدولة لتقريرها السنوي الأول المخصص للنشر العام سابقة مؤسسية مهمة في المسار الموريتاني نحو ترسيخ الشفافية والمساءلة. غير أن تقييم أي وثيقة رقابية رسمية لا ينبغي أن يقف عند حدود النوايا المعلنة أو ضخامة الأرقام المعروضة بل يستوجب فحصا نقديا لمنهجيتها ولمدى اتساق خطابها مع مخرجاتها الفعلية فضلا عن قياس حجم الفجوة بين ما تكشفه الرقابة وما يترتب عليها من مساءلة حقيقية وأثر رادع.

أ‌. نقاط القوة المنهجية والمؤسسية:

يحسب للتقرير تقديمه جملة من المؤشرات الإيجابية التي تستحق التثمين:

  • الشفافية المؤسسية غير المسبوقة: يمثل نشر تقرير سنوي مفصل يتضمن بيانات رقمية دقيقة وأنماط الاختلالات والقطاعات المشمولة، قطيعة واضحة مع ثقافة السرية والتكتم التي طبعت عمل أجهزة الرقابة الإدارية في المنطقة عقودا طويلة.
  • النضج المنهجي في تصنيف الأثر المالي: اعتماد تصنيف ثلاثي الأبعاد للأثر المالي (محدد / قابل للتقدير / غير قابل للتحديد) يعكس دقة احترافية تميز هذا التقرير عن ممارسات رقابية سابقة كانت تخلط بين المبالغ المثبتة وتلك المبنية على تقديرات تقريبية.
  • الإقرار الذاتي الصريح بالقصور: يحمل قسم التشخيص المؤسسي جرأة غير معتادة في الوثائق الحكومية، حيث أقرت المفتشية بصراحة بضعف المتابعة وغياب المساءلة القضائية عن أخطاء التسيير وقصور التنسيق البيني مع بقية الأجهزة الرقابية.

ب‌. فجوة صارخة بين حجم الاختلالات ومستوى المساءلة:

تعد هذه الإشكالية التحدي الأبرز؛ فمن أصل 28 مهمة رقابية مكتملة رصدت 46 نمطا من الاختلالات شملت وقائع خطيرة وصفت صراحة في التقرير مثل: تزوير وثائق رسمية في 4 حالات، واستغلال النفوذ والتواطؤ في 5 حالات، ومنافسة صورية في 12 حالة، وتفاهمات مباشرة غير مبررة في 10 حالات، إلى جانب التنازل غير القانوني عن صفقات وتضارب المصالح. لم يحل إلى القضاء سوى 4 ملفات فقط، ملفان لمحكمة الحسابات وملفان للنيابة العامة.

ج‌. تواضع الاسترداد المالي الفعلي:

أبرز التقرير رقم 1.298 مليار أوقية تحت بند الإجراءات الوقائية، بيد أن تفكيك هذا الرقم يوضح أن معظمه (603 ملايين) يمثل ترشيداً لنفقات قبل صرفها، أو تعليق التزامات مالية (694 مليونا) بانتظار تسوية الوضعية دون تحديد سقف زمني ملزم. أما على صعيد الاسترداد النقدي الفعلي للخزينة العامة فلم يتجاوز المبلغ 45.6 مليون أوقية من أصل أثر مالي محدد بـ2.375 مليار أوقية.

د‌. غياب الشمولية الرقابية وضبابية معايير الاستثناء:

تتجلّى إحدى أبرز الثغرات الهيكلية في عدم شمولية التفتيش لجميع المؤسسات والهيئات العمومية دون تقديم أي تبرير موضوعي أو منهجي لذلك، إذ اقتصرت التغطية على 28 مهمة فقط بمبلغ إجمالي خاضع للتدقيق قدره 32.86 مليار أوقية على مدى سنتين.

هـ. إشكاليات الاستقلالية المؤسسية والبعد المقارن:

يضع التقرير ارتباط المفتشية برئاسة الجمهورية بوصفه ضمانة للاستقلالية، غير أن هذه التبعية التنفيذية تطرح في المقابل إشكالية رقابة السلطة على أجهزتها دون وجود آلية موازية للإشراف البرلماني أو الإفصاح المستقل.

و. التكرار الهيكلي للمخالفات في الصفقات العمومية:

كشف التقرير أن الطلبية العمومية تستأثر وحدها بـ60% من الأثر المالي للاختلالات مع هيمنة أنماط تقليدية مألوفة كالتجزئة الاحتيالية للنفقات والمنافسة الشكلية والتفاهمات المباشرة غير المبررة.

خاتمة:

يبرز التقرير خطوة شجاعة تؤسس لتقاليد الشفافية والانضباط المنهجي، إلا أن القراءة الفاحصة تؤكد أن نجاح المنظومة الرقابية لن يقاس بحجم الوثائق المنشورة، بل بمدى شمولية الرقابة لمفاصل الدولة كافة وتحويل المخرجات إلى إصلاحات إدارية ملزمة.

شارك الخبر: