جذور أزمة الفساد في موريتانيا: كيف تحولت المنظومة المؤسسية إلى حاضنة لتغلغل الاختلالات؟


هذا الخبر بعنوان "كيف تشكلت البيئة الحاضنة للفساد في موريتانيا ؟" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أغشت ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد التقرير الأخير للمفتشية العامة للدولة ملف الفساد إلى واجهة النقاش العمومي في موريتانيا، كاشفاً عن حجم مقلق من الاختلالات التسييرية التي تطرح تساؤلات جوهرية حول الآليات التي سمحت للفساد بالتغلغل في مفاصل الدولة، وما إذا كنا أمام حالات فردية أو بيئة مؤسسية وسياسية تعيد إنتاج الأزمة. تتجاوز دلالة التقرير رصد المخالفات لتسليط الضوء على البيئة الحاضنة التي جعلت الفساد يتمدد من ممارسات معزولة إلى ظاهرة بنيوية، رغم تعدد الهيئات الرقابية والنصوص القانونية، وتعهدات الرئيس بمراجعته.
تُظهر المؤشرات الدولية استفحال المشكل، حيث حصلت موريتانيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 على 30 نقطة فقط من أصل 100، محتلة المرتبة 130 من بين أكثر من 180 دولة. ولا يعكس هذا التراجع إدانة للمجتمع الموريتاني، بل يعبر عن خلل في المنظومة المؤسسية التي تحولت من جهة محاربة إلى حام ومنتج للفساد في أحيان كثيرة.
تاريخياً، اعتمد المجتمع الموريتاني على شبكات التضامن الاجتماعي التقليدية والعائلية والقبلية للتعويض عن غياب الدولة. لكن المشكلة تبرز حين تتحول روابط التكافل من فضائها المشروع إلى الفضاء العام، لتصبح وظائف الدولة والصفقات والرخص رهينة للزبونية السياسية والاقتصادية، بعيداً عن قواعد القانون والاستحقاق.
يعتمد الاقتصاد الموريتاني بدرجة كبيرة على العوائد الريعية للموارد الطبيعية، حيث شكلت الصناعات الاستخراجية حوالي 78% من إجمالي صادرات البلد في 2025 وفق بيانات صندوق النقد الدولي. هذه المعادلة المكونة من الموارد الكبيرة والدولة المركزية وضعف الرقابة والنفوذ السياسي تخلق بيئة خصبة لارتفاع مخاطر الفساد وسرعة مراكمة الثروات عبر التحكم في التراخيص والعقود.
في ظل محدودية الفرص، تحولت الوظيفة العمومية والصفقات الإدارية إلى أدوات لشراء الذمم وتوسيع نفوذ المفسدين عبر التعيينات القائمة على الترضيات السياسية. إضافة إلى ذلك، يعاني البرلمان الموريتاني من قيود دستورية وسياسية تعيق دوره الرقابي الفعلي، لاسيما المادة (69) من الدستور، مما يجعله في كثير من الأحيان غرفة لتسجيل القرارات بدل أن يكون سلطة مساءلة حقيقية.
وفيما يخص الصفقات العمومية، فإنها تمثل البيئة المالية الأبرز لتكاثر الفساد رغم وجود هيئة رسمية لتنظيم الصفقات وكشفت سابقاً عن وجود 41 خطراً يتهدد الطلبية العمومية. وتتفاقم الأزمة عندما يتحول ملف مكافحة الفساد من معركة وطنية جامعة إلى أداة في الصراع السياسي والتجاذب بين السلطة والمعارضة.
تُقدم محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز نموذجاً بارزاً يعكس تعقيدات العلاقة بين السلطة والثروة، بدءاً من لجان التحقيق البرلمانية في ملفات العشرية التي درست مشاريع بنية تحتية بقيمة 1.14 مليار دولار، وصولاً إلى الأحكام القضائية الصادرة ضده بتهم الفساد والإثراء غير المشروع. تؤكد هذه التجربة أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب النصوص القانونية، بل في المسافة الفاصلة بين النص وتطبيقه أمام تغول أصحاب النفوذ.
سياسة
سياسة
سياسة
تكنولوجيا