موريتانيا
منوعات

التهاني والتعازي في عصر التواصل الاجتماعي: بين الواجب والاستعراض

الأخبار٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:٠٤ م0 مشاهدة
التهاني والتعازي في عصر التواصل الاجتماعي: بين الواجب والاستعراض

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التهاني والتعازي.." نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في الآونة الأخيرة، لوحظ بشكل لافت التجمهر لدى بيوت العزاء والمناسبات، سواء كان ذلك تعزيةً في فقيد، أو تهنئةً بمنصب جديد، أو مواساةً في إعفاء من منصب. ورغم أن هذه الممارسات محمودة وتندرج ضمن سياق التواصل المجتمعي والتقدير، إلا أن انتشارها بشكل مبالغ فيه، مع سهولة التصوير والنشر اللحظي، جعلها تبدو أحيانًا وكأنها استعراض أو ابتسامات للكاميرا، حتى في أشد لحظات الحزن والانكسار. لم تعد المسألة مجرد مواساة وجدانية، بل باتت أقرب إلى إعلان الحضور وإثبات الموقف أمام جمهور افتراضي.

لقد لاحظت هذه الظاهرة قبل عقدين تقريبًا، حيث حرصت بعض الحملات الانتخابية على شد الرحال إلى مجالس العزاء لشخصيات مرموقة لكسب ناخبين. ومنذ ذلك الحين، بدأت الظاهرة تتضخم، وأصبحت التعزية في كل فقيد تحظى أسرته بمكانة في المجتمع أشبه بواجب اجتماعي لا يمكن التخلف عنه، بغض النظر عن طبيعة العلاقة بالفقيد أو أسرته. ومع السنوات الأخيرة، أضيف إلى هذه العادة التوثيق المصور والنشر اللحظي، مما جعل الغياب نفسه حدثًا يستحق التأويل. لم يعد المهم أن تكون قد واسيت أهل الفقيد، بل أن يعرف الآخرون أنك فعلت، مما يحول التعزية من فعل إنساني إلى استثمار اجتماعي وسياسي، ومن مناسبة للتواضع والمساواة إلى فرصة لاستعراض المكانة والنفوذ.

ولعل الأخطر هو أن هذا السلوك، حين يتكرر ويتحول إلى عرف، يفرض أعباءً على الناس، فيصبح المعزون مرهقين بأوقاتهم وأموالهم، ويشعر المتخلفون بالتقصير. وقد ساهمت سهولة النشر والتصوير في تضخيم هذه الظاهرة، وغياب إطار تنظيمي واضح للمنصات الاجتماعية في فوضى تداول الصور والمشاهد. وجوهر المشكلة يكمن في الطريقة التي نستخدم بها التقنية، وفي ثقافة اجتماعية باتت تقيس بعض الواجبات بمقدار ظهورها وانتشارها.

أما الظاهرة الثانية، فهي تهاني المسؤولين المعينين حديثًا. كانت هذه التهاني تقتصر في الغالب على المعارف والزملاء، لكنها للأسف انتشرت لتشمل الجميع، حتى أصبحت واجبًا اجتماعيًا مفروضًا. إذا هنأ المرء، قيل إنه يتودد؛ وإذا لم يهنئ، عُدّ صمته موقفًا. بلغ الإحراج حدًا صار فيه المرء مطالبًا بإثبات حسن نيته في كل مناسبة. وينطبق الأمر نفسه على المواساة عند إعفاء مسؤول من منصبه أو إدراكه التقاعد؛ فقد يُقرأ غياب التدوينة أو رسالة المواساة بوصفه شماتة.

المشكلة ليست في التعزية أو التهنئة أو المواساة بحد ذاتها، فهذه من محاسن الاجتماع الإنساني، بل المأخذ على تحول العادة إلى إلزام، والواجب الأخلاقي إلى ضغط اجتماعي. المطلوب هو استعادة هذه الممارسات لمعناها الأول، وتحريرها من المبالغة التي ألحقتها بها وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثقافة الظهور التي جعلت البعض ينشغل بإثبات أداء الواجب أكثر من أدائه نفسه. فليس كل من حضر عزاءً متصنعًا، ولا كل من هنأ مسؤولًا طالب مصلحة. تبقى النيات متباينة، ولا يصح اختزال الناس في دوافع واحدة.

للناس أحزانهم وأفراحهم التي لا تحتاج إلى كاميرات أو حشود، ولهم علاقاتهم التي لا ينبغي أن تُختبر بمنشور أو تعليق. وليس من العدل أن نحمّلهم فوق أعبائهم عبء إثبات المحبة أو الوفاء. نحن بحاجة إلى التخفف؛ أن نعزي حين نجد باعثًا صادقًا، وأن نهنئ حين يكون للتهنئة معنى، وأن نترك للناس حرية التعبير وحرية الصمت، دون أن نحول أيًّا منهما إلى قرينة إدانة أو شهادة تزكية. فليست كل مناسبة امتحانًا للعلاقات، ولا كل غياب خصومة، ولا كل حضور محبة، ولا كل صمت شماتة.

في النهاية، التعزية مواساة قبل أن تكون حضورًا، والتهنئة تقدير قبل أن تكون مجاملة، والمواساة فعل إنساني قبل أن تكون منشورًا. وما عدا ذلك، فربما كان من ضجيج العادات حين تتضخم، ومن أثقال المجاملة حين تستبد بالناس. نحتاج إلى أن نتعلم كيف نؤدي واجباتنا الاجتماعية دون استعراضها، وكيف نحفظ للناس مكانتهم دون أن نرهن مواقفنا لانتظاراتهم، وكيف نترك للتعزية حرمة الحزن، وللتهنئة عفوية الفرح، وللمواساة صدق الشعور. فبعض الواجبات يكفي أن تؤديها، ولا يلزم أن تعلن عنها؛ وبعض المواقف يحفظها أصحابها في القلوب، ولا تنتقص من قيمتها قلة الشهود.

شارك الخبر: