موريتانيا
ثقافة

اللغة العربية والهوية الوطنية: معركة الوحدة في موريتانيا

الأخبار٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:٠٨ ص0 مشاهدة
اللغة العربية والهوية الوطنية: معركة الوحدة في موريتانيا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العربية: معركة الهوية والوحدة الوطنية" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لطالما كانت اللغة العربية منارة للعلم والثقافة والمعرفة الدينية، إلا أن الاستعمار ترك بصماته عليها في موريتانيا وسائر المنطقة. اليوم، تواجه العربية تحديات التهميش من قبل نخبة مؤثرة، وإن كانت أقلية، ترى فيها حكراً على مكون اجتماعي معين وأداة للإقصاء. لا يقتصر هذا التصور على العرب ذوي النزعة الشوفينية، بل يتبناه أيضاً أفارقة موريتانيون يرون فيها أداة للهيمنة. لكن هذا المنظور يتجاهل حقيقة تاريخية جوهرية، وهي أن أجداد مختلف مكونات الشعب الموريتاني تقاسموا العربية كلغة مشتركة، تحت مظلة هوية دينية كانت تسمو على الهويات الأولية.

إن مكانة اللغة العربية في موريتانيا ليست قابلة للمساومة أو التشكيك؛ فهي محسومة دستورياً كلغة رسمية، ومحسومة واقعياً كلغة للأغلبية الساحقة. وبالتالي، فإن إعادة طرح هذه المسألة كخلاف أمر غير مقبول، بل هو خروج عن الدستور وحقائق المجتمع الموريتاني. النقاش المشروع يجب أن يركز على كيفية تعزيز حضور العربية وتطوير استخدامها في الإدارة والتعليم والحياة الاقتصادية، لا على التشكيك في مكانتها.

لا يمكن فصل مكانة اللغة العربية في موريتانيا عن الإسلام، فهي لغة القرآن الكريم ووعاء تراثنا الديني والفكري والحضاري. عبر القرون، أصبحت العربية رمزاً ثقافياً عميقاً للإسلام وعنصراً أساسياً في تشكيل هويتنا الوطنية. هذا لا يعني الانتقاص من اللغات الوطنية الأخرى أو تهميشها، فهي جزء أصيل من ثراء مجتمعنا وتنوعه الثقافي. الدفاع عن العربية لا يتعارض مع احترام هذه اللغات وتعزيز حضورها، بل يقتضي بناء علاقة متوازنة تحفظ للعربية مكانتها الدستورية والدينية والحضارية، وتحمي الحقوق اللغوية والثقافية لسائر المكونات.

الإسلام ليس مجرد مرجعية دينية، بل هو أحد أهم الروابط الجامعة بين الموريتانيين، بما يستند إليه من قيم ومبادئ مشتركة. لا يمكن التنكر لهذه الهوية الجامعة أو تهميشها، لما ينطوي عليه ذلك من إنكار لأسس وحدتنا الوطنية. تهميش هذا البعد يفتح الباب أمام تصادم الرؤى والنزعات القومية المتنافسة، وما تحمله من مخاطر الانقسام.

لقد كان علينا، عبر الأجيال، أن نبني أمتنا على أساس الإسلام، الرابطة التي توحد أبناءها. أسهم المرابطون في توحيد أجزاء واسعة من المجال الصحراوي والمغاربي، وأقاموا دولة امتد نفوذها إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. كانت حركتهم الإسلامية ذات جذور صنهاجية أمازيغية، وامتد أثرها إلى مجتمعات متعددة، وشكلت تاريخها السياسي والديني والثقافي. كما مثلت حركة الإمام ناصر الدين في القرن السابع عشر محاولة لإقامة مشروع سياسي ذي مرجعية إسلامية في جنوب غربي موريتانيا، وشهدت على حضور الإسلام في تشكيل الحركات السياسية والاجتماعية. مقاومة الاستعمار كانت مشتركاً وطنياً رفع راية الإسلام في مواجهة الهيمنة الأجنبية. ومن ثم، يشكل الإسلام أحد أهم أواصر التماسك الوطني، ولا يجوز تهميشه أو التنكر لدوره باسم نزعات قومية.

الفرنكوفونية لا تعني العداء للعربية

عقود من الاستعمار الفرنسي أنتجت نخباً جديدة انقطعت عن ثقافتها الأصلية، وحلت محلها مرجعيات مستحدثة، منها الفرنكوفونية المعاصرة. للأسف، لم تعد بعض هذه النخب تقيم صلة حقيقية باللغة العربية، بل تنظر إليها بوصفها لغة «رجعية» أو «أداة للإقصاء»، وتبني تصوراتها ضمن إطار فرنكوفوني يكاد يكون حصرياً. لكن الإنصاف يقتضي عدم الخلط بين التكوين بالفرنسية والعداء للعربية. كثير من الموريتانيين الذين تلقوا تعليمهم بالفرنسية لا يحملون أي موقف عدائي تجاه العربية، ويرون عدم تعارض بين تكوينهم الفرنكوفوني ومكانتها. بل إن قطاعات من النخب المتعلمة بالفرنسية تبذل جهوداً لتعلم العربية. تصوير الناطقين بالفرنسية جميعاً كخصوم للعربية تعميم غير منصف. المشكلة ليست في تعلم اللغات الأجنبية، بل في اتخاذها ذريعة لتهميش اللغة الرسمية.

تتهدد الهوية الجامعة منافسة فرنسية طاغية في المجال العام، ترمز للعصرية لدى البعض والاستلاب لدى آخرين. تظل الفرنسية موضع خلاف بسبب الإرث الاستعماري وصورته السلبية، فضلا عن مظاهر الإسلاموفوبيا. تتبنى هذه «الفرنسة الزاحفة» نخباً استُؤصلت من ثقافتها الأصلية، فأضحت تفكر في إطار فرنكوفوني وترى العربية لغة متخلفة، متناسية أنها جزء من الميراث الجمعي.

الفرنسة الزاحفة وحدودها في المجال العام

الفرنكوفونية لا يمكن أن تشكّل هوية مشتركة في بلد لا تتجاوز نسبة الناطقين بالفرنسية فيه 13% من السكان. وهذا لا يبرر جعل هذه اللغة مرجعاً وحيداً في التعامل مع المواطنين. الغالبية الساحقة من الموريتانيين لا يشملهم هذا التقدير. ومع ذلك، يجد كثير من المواطنين أنفسهم في وضع أشبه بوضع الأجانب في بلدهم، عندما يحتاجون إلى التعامل مع إدارات تصدر وثائقها بالفرنسية. أما الذين لا يجدون أنفسهم في الهوية العربية الإسلامية، فالأجدر بهم أن يعملوا على تثمين الهويات والثقافات الوطنية الأخرى وتعزيز مكانتها، بدلا من السعي إلى إضعاف المرجعية المشتركة. الفرنسة والإنجليزية يجب أن تكونا لغتين للتواصل مع الخارج، لا وسيلتين لإحلال لغات أجنبية محل اللغة الرسمية.

في الدول متعددة اللغات، لا يعني الاعتراف بالتنوع اللغوي غياب لغة مشتركة مركزية. وجود لغة رسمية جامعة، تستخدمها مؤسسات الدولة وتتيح للمواطنين التواصل، يعزز التماسك الوطني. لا يمكن لموريتانيا أن تستمر في هذه الازدواجية، حيث ينص الدستور على لغة رسمية واحدة، بينما تُدار قطاعات من الحياة العامة بلغة أخرى. هذه المفارقة تضعف مكانة العربية وتكرّس الفجوة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية. ينبغي أن تصبح العربية لغة العمل الأساسية في الإدارات والمؤسسات الوطنية. هذا لا يعني أن تتحول العربية إلى أداة للإقصاء، بل إن مسؤولية الدولة تتمثل في توفير برامج لتعليم العربية، ومرافقة لغوية، وترتيبات انتقالية تضمن وصول الجميع إلى الخدمات العامة، مع حماية حقوقهم اللغوية والثقافية. الهدف هو توحيد المجال العام وتعزيز المواطنة المتساوية.

يمكن، في أقصى الأحوال، اعتماد الفرنسية أو الإنجليزية لغتي عمل إلى جانب العربية، لكن لا مبرر لمنحهما صفة اللغتين الرسميتين أو الوطنيتين.

تعزيز العربية مسؤولية وطنية

تجسيد استقلالنا وحماية ثقافتنا الوطنية يفرضان تعزيز مكانة اللغة العربية في المجال العام وضمان استخدامها الفعلي في مؤسسات الدولة. التجربة الجزائرية في هذا المجال يمكن أن تكون مصدر إلهام. التجربة المغربية في ترسيم اللغة الأمازيغية تبرز أهمية الاعتراف بالتنوع اللغوي الوطني وتعزيزه. يجب البدء بإلزام الإدارات والشركات الوطنية، مثل شركة الكهرباء وشركة المياه والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصندوق التأمين الصحي، باستخدام اللغة العربية في جميع وثائقها ومراسلاتها. وفي القطاع الخاص، يجب فرض حضور العربية في المطاعم ووصفات الأطباء وعلى اللوحات وواجهات المحال.

نؤيد وجود الفرنسية والإنجليزية كلغتين أجنبيتين، لا بديلين عن العربية. العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، والتشبث بها جزء من الاستقلال وتجسيد لتملّك موروثنا الوطني. في الوقت ذاته، فإن احترام التنوع الثقافي واللغوي يقتضي العمل على ترسيم اللغات الوطنية الأخرى وتعزيز حضورها في التعليم والحياة العامة. ندعو إلى مقاربة وطنية متوازنة، تثبّت مكانة العربية بوصفها اللغة الرسمية ولغة العمل الأساسية، وتمنح اللغات الوطنية الأخرى المكانة التي تستحقها، بعيداً عن الإقصاء والتهميش. اللغة العربية ليست خاصة بفئة دون غيرها، فهي لغة عالمية، وجزء من تراثنا المشترك وإرثنا الحضاري، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها ملكاً حصرياً لأي مكون من مكونات شعبنا.

شارك الخبر: