المادة 99 من الدستور: بين حماية المأموريات وتقويض السيادة الشعبية


هذا الخبر بعنوان "المادة 99 من الدستور من السعي إلى تحصين المأموريات إلى سلب السيادة الشعبية" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ إقرار "المراجعة الدستورية" لعام 2006، التي حددت المأموريات الرئاسية بولايتين، يتجدد الجدل السياسي والدستوري حول إمكانية فتح الباب أمام ولاية ثالثة، مقابل من يعتبر ذلك مساسًا بمقتضى دستوري صريح. غالبًا ما يظل هذا الجدل أسير التجاذبات السياسية أكثر من كونه نقاشًا دستوريًا هادئًا. وللمساهمة في نقاش جاد، بعيدًا عن مزايدات السياسيين، يرى الباحثون أن أي قراءة دستورية لموضوع المأموريات لا يجب أن تقتصر على المادة 99، رغم أهميتها في تنظيم تعديل الدستور. فهذه المادة تثير إشكالات تتعلق بمدى انسجامها مع مبادئ دستورية أخرى، كسيادة الشعب، وأحكام المعاهدات الدولية، والاستفتاء. ويزداد هذا النقاش أهمية مع قرب انطلاق الحوار السياسي المرتقب الذي يُتوقع أن يحتل فيه الإصلاح السياسي والدستوري موقعًا متقدمًا. الهدف ليس مناقشة قضية المأموريات فحسب، بل تسليط الضوء على الإشكالات الدستورية التي تطرحها المادة 99 لمعالجتها في أي مراجعة دستورية مستقبلية.
الجدل حول تحصين بعض أحكام الدستور ضد المراجعة ليس جديدًا، وهو يعود إلى نقاش فقهي قديم حول مشروعية القيود التي تفرضها سلطة تأسيسية على سلطة لاحقة. انقسم الفقه الدستوري بين من يرى في هذه القيود ضمانة لحماية أسس النظام الدستوري، ومن ينازع في مشروعيتها، معتبرًا أن السلطة التأسيسية لا تملك مصادرة إرادة الأجيال اللاحقة. وقد ذهب بعض الفقه إلى تجريد النصوص التي تحظر تعديل بعض أحكام الدستور بشكل دائم من قيمتها القانونية، مستندين إلى استحالة إلزام جيل لاحق بإرادة جيل سابق. هذا التصور يجد صداه في أفكار الفيلسوف الأمريكي توماس جيفرسون الذي رأى أنه لا يجوز وضع دستور دائم يلزم أجيالًا لم تستشر.
حاول الدكتور "ثروت بدوي" تبني موقف وسط، معتبرًا أن واقع الحياة السياسية لا يتوقف عند الاعتبارات القانونية المحضة، وأن قيمة النصوص الدستورية المانعة للتعديل تتوقف على مدى تجاوبها مع حاجات الجماعة. فإذا فقدت هذه النصوص تأييد الجماعة، فلن يجدي الاعتراف بقيمتها القانونية الملزمة.
في الدستور الموريتاني، يتضمن الدستور نوعين من حظر التعديل: حظر زمني يتعلق بفترة الإنابة الرئاسية (المادة 40)، وحظر موضوعي يستهدف منع تعديل بعض الأحكام بشكل دائم، كمدة المأموريات الرئاسية وقابليتها للتجديد (المادة 99). الحظر الزمني لا يثير إشكالًا كبيرًا لارتباطه بظرف موضوعي خاص. أما الحظر الموضوعي في المادة 99، فيستهدف منع تعديل بعض الأحكام بشكل أبدي، مما يصطدم ببعض المقتضيات الدستورية الأخرى، ويوحي بتضارب في الأحكام الدستورية، مما يجعل الحاجة ماسة لإعادة النظر في هذه المادة لضمان انسجامها مع بقية أحكام الدستور.
تنص المادة 2 من الدستور الموريتاني على أن "الشعب هو مصدر كل سلطة" وأن "السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها عن طريق ممثليه المنتخبين وبواسطة الاستفتاء". تتعارض هاتان الفقرتان مع الفقرة الأخيرة من المادة 99 المتعلقة بالحظر الموضوعي، لأن سيادة الشعب مطلقة وتشمل الدستور نفسه، مما يمنحه الحق في التصرف فيه بالإلغاء والتعديل. عبارة "لا يحق لبعض الشعب ولا لفرد من أفراده أن يستأثر بممارستها" تمنع احتكار السيادة، وبالتالي فإن المادة 99 تجعل جزءًا من الشعب مستأثرًا بالسيادة دون الجزء الآخر، وهو ما يتناقض مع نص المادة الثانية. المادة 99 لا يمكن أن تكون فوق سيادة الشعب، وسيادة الشعب لا تنقضي بإقرار الدستور، بل تبقى مستمرة. وبذلك، تشكل المادة 99 خروجًا على مبدأ سيادة الشعب، بخلق "سيادة المادة 99" التي تسمو على سيادة المادة 2، وتحد من إرادة الشعب في ممارسة سلطته التأسيسية مستقبلًا.
في الدساتير الديمقراطية، يتم تضييق هذا النوع من الحظر أو استبعاده كليًا، والاكتفاء بتعقيد الإجراءات الشكلية. دساتير دول كإسبانيا وهولندا تخلو من أي حظر موضوعي مطلق. حتى الدستور الفرنسي، الذي استقى منه المشرع الموريتاني أغلب أحكامه، لم يحصّن سوى شكل النظام الجمهوري من التعديل المطلق. لو اقتصر الحظر الموضوعي في الدستور الموريتاني على الإسلام أو النظام الجمهوري، لما أثير إشكال سيادة الشعب.
صحيح أن الشعب وافق على الدستور، لكن ذلك لا يعني حقه في منع الشعب نفسه من تعديل بعض أحكامه. الأهمية لا تصح مبررًا للمنع الأبدي؛ فالديمقراطية أهم من الإقليم، ومع ذلك سمح الدستور بالتنازل عن جزء منه. لا يعني ذلك استبعاد تحصين بعض الموضوعات ذات الأهمية، ولكن يجب أن يبقى ذلك في نطاق سيادة الشعب. الإشكال لا يتعلق بتقرير الحظر، بل بمداه: هل ينصرف إلى ممارسي السيادة أم إلى الشعب نفسه؟ الإجابة، في ضوء تكريس الدستور الموريتاني لمبدأ سيادة الشعب، تقتضي أن ينصرف التحصين إلى ممارسي السيادة نيابةً عن الشعب، دون أن يمتد إلى الشعب ذاته.
المادة 99 لا تضمن تداولًا ديمقراطيًا حقيقيًا، بل تداولًا شكليًا فرضه النص. التداول الحقيقي يتم بإرادة الناخب. الديمقراطية في البلدان الغربية تكرست قبل اعتماد تحديد المأموريات. لا يكفي تبرير الحظر الموضوعي بالقول إنه يكفل تناوبًا ديمقراطيًا. مبدأ سيادة الشعب أسبق وأهم من مبدأ التناوب الديمقراطي. سيادة الشعب مسيجة بسياج دستوري خاص يتمثل في منع أي جزء من الشعب أن يستأثر بالسيادة دون غيره.
تنص المادة 2 من الدستور على أنه "لا يتقرر أي تنازل عن السيادة جزئيا كان أو كليا إلا بقبول الشعب له". وتشترط المادة 78 موافقة الشعب عن طريق الاستفتاء للتصديق على المعاهدات المتعلقة بحدود الدولة. ومع أن هاتين المادتين صريحتان في إمكانية التنازل عن جزء من الأراضي أو تبديله شرط موافقة الشعب، فإن المادة 99 تحظر ذلك مطلقا، مما يخلق تعارضًا صريحًا بين هذه المواد. كيف يستقيم منع الشروع في أي مراجعة تتعلق بالحدود، بينما تنص مواد أخرى على وجوب الرجوع للشعب عن طريق الاستفتاء؟
قد تثير هذه الحالة تضاربًا بين المادة 99 والمادة 29 المتعلقة باليمين الدستورية. رئيس الجمهورية أقسم على مزاولة مهامه مع مراعاة أحكام الدستور. تطبيق المادتين 2 و78 يلزمه بالعودة للشعب، لكن المادة 99 تمنع ذلك. هذا يضع رئيس الجمهورية بين خيارين: تطبيق المادتين 2 و78 ومواجهة الاستفتاء بالحظر الوارد في المادة 99، أو الالتزام بأحكام المادة 99، وهو ما لا ينسجم مع قسمه.
يشكل الاستفتاء أحد وجهَي ممارسة السيادة. وفقًا للمادة 2، يمارس الشعب سيادته بطريقة مباشرة عن طريق الاستفتاء في حالات التنازل عن السيادة، التنازل عن جزء من الأراضي، استشارة الشعب في قضية ذات أهمية وطنية (المادة 38)، وعرض الاستفتاء الدستوري على الشعب (المادة 99). المادة 99 تقطع الطريق على الشعب فيما يتعلق بالحالتين الأولى والثانية، بمنعه من ممارسة السيادة عن طريق الاستفتاء.
كما أن الحظر الموضوعي في المادة 99 لا ينسجم مع إطلاق سلطة رئيس الجمهورية في اللجوء إلى استفتاء الشعب المنصوص عليها في المادة 38. هذه المادة لم تقيد سلطة رئيس الجمهورية بخصوص موضوع الاستشارة، مما يعني أن المشرع تركه حرًا في الرجوع إلى الشعب في أي قضية مهمة، حتى لو كانت تتعارض مع مقتضيات المادة 99. وحتى لو اعتبرنا أن المادة 38 مقيدة بالمادة 99، فإن السؤال يبرز: ماذا لو استخدم رئيس الجمهورية المادة 38 وعرض المادة 99 نفسها على الشعب؟ لا يوجد نص دستوري يمنع ذلك، فالمادة 99 لم تحصّن نفسها من التعديل أو العرض على الشعب. هذا الإجراء لا يثير إشكالًا دستوريًا أو ديمقراطيًا، لأن السند الدستوري واضح، والشعب، مالك السيادة، يمارسها عبر الاستفتاء.
ختامًا، تحتاج الصيغة الحالية للمادة 99 إلى إعادة نظر لمواءمتها مع بقية أحكام الدستور، خصوصًا المتعلقة بسيادة الشعب. الحفاظ على الدستور لا يكون بتحصين إرادة الحاضر في مواجهة المستقبل، بل بصون التوازن بين استقرار القواعد الدستورية وقدرة الأجيال المتعاقبة على مراجعة اختياراتها الدستورية في إطار السيادة الشعبية. تعديل الدستور يتطلب مبررات قانونية، والديمقراطية لا تتحقق بمجرد تحديد المأموريات، بل بشفافية الاقتراع. الحجر على الإرادة الشعبية في البت في موضوع معين لا يختلف كثيرًا عن تزويرها. تحصين النصوص في مواجهة الإرادة الشعبية بحظر تعديلها مطلقًا، كما تذهب المادة 99، ليس هو الطريق لتحقيق الديمقراطية، بل ضمان تعبير الإرادة الشعبية بصدق عن الشعب عبر مدونة انتخابية تضمن نزاهة العمليات الانتخابية والاستفتائية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة