رحلة الذاكرة السياسية في موريتانيا: بين البيان رقم 1 وسؤال الدولة والمؤسسات


هذا الخبر بعنوان "أيُّ الفريقين كان على صواب؟" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ أغشت ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في طفولتي، ووسط لحظات الوعي الأولى بالوقائع المحيطة قبل أن أدرك أبعادها التحليلية، ما زلت أستعيد مشهدًا بدا في ظاهره عابرًا لكنه ازداد عمقًا مع تقدم السنين. كان ذلك في نخيل كرو، إبان زمن الكيطنة، وتحديدًا في العاشر من يوليو 1978، حيث تحلقت مجموعة من أعيان أهلي حول المذياع ينصتون لبيان رقم 1. كنت طفلًا لا يفقه من السياسة شيئًا سوى نبرات أصوات الرجال، ولم أكن أعرف معنى الانقلاب أو النظام. لكني لاحظت تباين ردود الفعل؛ فرجل ردد بخوف "إنا لله وإنا إليه راجعون، ذيك دولة خسرت"، وفي المقابل استقبل آخرون الخبر بحماس وتفاؤل شديد كأن صفحة جديدة قد فُتحت.
ومرت السنوات لتكبر البلاد ويتعاقب عليها الحكم والانفتاح والديمقراطية. وفي سنة 2009، عقب انتخابات اتفاق دكار، كنت رئيس حملة مسعود في تامشكط، حيث حضرنا اجتماعًا في لعيون وتنفس الرئيس مسعود الصعداء قائلًا بعفوية: "أنا محتار في هذا الأمر، ولكن يظهر لي أن موريتانيا مختطفة من قبل المحمدين: محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الغزواني، وسابق ما وطيحت منهم، لا جدوى للعمل الانتخابي". استدعت هذه العبارة في ذهني ذلك المشهد القديم لذياك البيان، لكنني كنت حينها رجلًا خبيرًا بالسياسة وموازين القوى وأدرك معاني تجاوز المؤسسات.
واليوم، ونحن أمام مرحلة يبدو فيها الرئيس منفردًا وتتراجع مساحات تنفس المؤسسات والمجتمع، تتجسد أمامي صورة ذلك الطفل الذي رأى الخوف والتفاؤل دون أن يسميهما. وبعد نحو نصف قرن، يبقى السؤال قاسيًا: أي الفريقين كان على صواب؟ هل هو الخائف الذي رأى ما وراء اللحظة، أم المتفائل الذي لم يرى إلا فرحة التخلص من الواقع الثقيل؟ التاريخ معقد، والناس غالبًا ما يخطئون في قراءة اللحظة السياسية بمحاكمتها للنوايا لا المآلات، فالفرق دقيق بين التغيير الحقيقي والقطيعة، وبين منطق الأشخاص ومنطق المؤسسات.
لقد تعلمت من تلك الذكرى أن أخطر ما في السياسة عجز الناس عن رؤية المستقبل في الحاضر. والرجل الذي قال سنة 1978 في نخيل كرو إن الدولة خسرت ربما لم يملك تحليلًا سياسيًا متكاملًا، لكنه كان يخاف على فكرة الدولة. وبين الرجلين، مضت موريتانيا في تجربتها الطويلة لأخذ العبرة بأن السلطة أمانة مؤقتة وأن التاريخ يبدأ بما يحدث للمؤسسات وفكرة التداول بعد البيان.
سياسة
سياسة
سياسة
تكنولوجيا