موريتانيا
اقتصاد

موريتانيا والطماطم المستوردة: لماذا نستورد ما يمكن إنتاجه محليًا؟

الأخبار١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:٤٨ ص0 مشاهدة
موريتانيا والطماطم المستوردة: لماذا نستورد ما يمكن إنتاجه محليًا؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الزراعة في موريتانيا.. لماذا نستورد ما نستطيع إنتاجه؟" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تستورد موريتانيا كميات كبيرة من الطماطم الطازجة سنويًا، مما يثير تساؤلات حول قدرة البلاد على تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج غذائها واستثمار مواردها الزراعية. فكيف يمكن لموريتانيا أن تستورد منتجًا يمكن زراعته بسهولة على ضفاف نهر السنغال وفي مناطق زراعية واسعة، بينما يدفع المستهلك ثمن تقلبات السوق ويواجه المزارع صعوبات تعيق استمراريته؟

أعادت مصادرة 4.7 طن من الطماطم في مقاطعة الميناء بنواكشوط، بعد رصد ممارسات ساهمت في رفع الأسعار، إلى الواجهة النقاش حول واقع الزراعة في موريتانيا. القضية لا تقتصر على المضاربة، بل تتعمق في سؤال أعمق: لماذا تظل البلاد عاجزة عن تلبية جزء من احتياجاتها من منتجات يمكن إنتاجها محليًا؟

إن ارتفاع سعر كيلوغرام الطماطم يكشف فجوة بين الإمكانات الزراعية الهائلة التي تمتلكها موريتانيا والنتائج الفعلية. فالبلاد تتمتع بضفة نهر السنغال، وأراضٍ زراعية خصبة في ولايات مثل الترارزة والبراكنة وكوركل، بالإضافة إلى الواحات ومناطق أخرى قابلة للاستغلال. ورغم أن تحديات مثل الجفاف وارتفاع الحرارة ومحدودية المياه تشكل عقبات حقيقية، إلا أنها لا تفسر وحدها استمرار الاعتماد على الاستيراد.

الأرض وحدها لا تنتج؛ فهي تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المياه، والتمويل، والبذور والأسمدة والمعدات، والبنية التحتية من طرق وأسواق، والإرشاد الفني. وفي غياب هذه الشروط، تبقى الأراضي محدودة الاستغلال، وتظل الأسواق رهينة للمنتجات المستوردة. لذا، يجب الانتقال من مجرد الحديث عن الإمكانات إلى معالجة الأسباب الجذرية لعدم تحويلها إلى إنتاج منتظم ومستدام.

خلال بعض المواسم، تتوفر الخضروات المحلية بأسعار معقولة، لكن سرعان ما يتراجع الإنتاج أو تنتهي دورة الحصاد، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار واضطرار المستهلكين لدفع المزيد. وتكشف بيانات التجارة الدولية أن موريتانيا استوردت حوالي 33.4 ألف طن من الطماطم الطازجة في عام 2024، بقيمة تقارب 7.6 ملايين دولار. هذا الرقم يعكس حجم سوق يمكن للإنتاج الوطني أن ينافس فيه بقوة إذا توفرت له الاستمرارية والجودة والتسويق المناسب.

لا يعني هذا ضرورة إلغاء الاستيراد؛ فكل اقتصاد يحتاج إلى التجارة الخارجية، ولا يمكن لأي بلد إنتاج كل ما يستهلكه بتكلفة تنافسية. لكن من المشروع التساؤل عن سبب عدم رفع الإنتاج المحلي لبعض الخضروات إلى مستوى يخفف الاعتماد على الخارج، ويحمي المستهلك من تقلبات الأسعار، ويوفر للمزارع دخلًا أكثر استقرارًا. المطلوب ليس إغلاق الحدود، بل تمكين المنتج الوطني من الحضور بقوة والمنافسة بفعالية.

المزارع الموريتاني لا يحتاج إلى الخطابات الرنانة بقدر ما يحتاج إلى دعم ملموس: تمويل مناسب، بذور وأسمدة ومعدات، مياه وطاقة لتشغيل المضخات، وتأطير فني، وأسواق مضمونة. كما يواجه مخاطر طبيعية مثل الحرارة والآفات، وتكاليف نقل مرتفعة، وقد يجد نفسه مضطرًا لبيع محصوله بأقل من تكلفة إنتاجه. هنا تكمن المفارقة: يعاني المزارع عندما ينخفض السعر بسبب وفرة العرض، ويعاني المستهلك عندما يرتفع السعر بسبب نقص المعروض. معالجة هذه المفارقة تتطلب سياسة تضمن للمزارع سعرًا مجزيًا يشجعه على الاستمرار، وتحمي المستهلك من الأسعار المرهقة.

لا يمكن مطالبة المزارع بزيادة الإنتاج دون توفير التمويل والأسواق، كما لا يجوز ترك المستهلك وحده في مواجهة الارتفاعات. الماء هو أساس أي توسع زراعي. وجود نهر السنغال فرصة ثمينة، لكنه لا يكفي دون شبكات ري فعالة، وقنوات صيانة وتوزيع، ومضخات مناسبة، وحلول لتقليل تكلفة إيصال المياه للحقول. أما المناطق الداخلية، فتحتاج إلى مقاربات مختلفة تشمل السدود الصغيرة، والواحات، والزراعة المطرية، والاستغلال المدروس للمياه الجوفية. كما يمكن للطاقة الشمسية وتقنيات الري الحديثة أن تخفض تكاليف الضخ وتقلل هدر المياه.

مرحلة ما بعد الإنتاج لا تقل أهمية عن الزراعة نفسها. فالخضروات سريعة التلف، وغياب المخازن المبردة ووسائل النقل الجيدة يؤدي إلى ضياع جزء كبير من المحصول، ويدفع المزارع إلى البيع السريع بأسعار غير عادلة. لذا، فإن إنشاء مخازن مبردة قرب مناطق الإنتاج، وتحسين الطرق الزراعية، وتنظيم أسواق الجملة، وتشجيع وحدات التصنيع والتحويل، كلها عناصر أساسية. زيادة الإنتاج لا تحقق فائدتها الكاملة إذا لم نستطع حفظه وتسويقه وإيصاله إلى المستهلك في الوقت المناسب.

الرقابة ضرورية لمحاربة الاحتكار والمضاربة غير المشروعة، لكنها ليست الحل الوحيد. فمصادرة كميات من الطماطم وبيعها بأسعار أقل قد يخفف الضغط مؤقتًا، لكنها لا تعالج نقص الإنتاج أو ارتفاع تكاليف النقل والتوريد. يجب التمييز بين الارتفاع الناتج عن مخالفة قانونية والارتفاع الناجم عن قلة المعروض أو زيادة التكاليف. لذا، يجب أن تُقاس فعالية الرقابة بقدرتها على جعل السوق أكثر شفافية، وحماية المستهلك، وضمان المنافسة، بالتوازي مع سياسات تزيد الإنتاج وتحسن سلاسل التوزيع. الدولة مطالبة بالتدخل ضد المخالفات، ولكنها مطالبة أيضًا بتهيئة الظروف التي تقلل احتمال تكرار الأزمات.

الاكتفاء الذاتي يجب أن يكون هدفًا واقعيًا لا شعارًا عامًا. ليس مطلوبًا أن تنتج موريتانيا كل شيء، بل أن تحدد المنتجات التي تستطيع إنتاجها بكفاءة، ثم ترفع إنتاجها تدريجيًا. تأتي بعض الخضروات في مقدمة هذه المجالات، لما يمكن أن توفره من فرص عمل، وتحسين دخل المزارعين، وتقليل الضغط على العملة الصعبة، وتعزيز استقرار الأسعار. يتطلب ذلك سياسة زراعية واضحة ومستمرة، تحدد أهدافًا قابلة للقياس، وتوفر البنية التحتية، وتدعم البحث والإرشاد، وتربط مناطق الإنتاج بالأسواق، وتشجع القطاع الخاص على الاستثمار في التخزين والتوزيع والتصنيع.

ينبغي تقييم النتائج بانتظام، وفق مؤشرات عملية: هل أصبح المزارع أقدر على الإنتاج؟ هل تراجع تعرض المستهلك لتقلبات الأسعار؟ وهل انخفضت فاتورة استيراد المنتجات التي يمكن إنتاجها محليًا؟ أزمة الطماطم ليست مجرد قصة عن سلعة ارتفع سعرها وتدخلت السلطات لضبطه، بل هي تذكير بأن الأمن الغذائي لا يتحقق بالرقابة أو التصريحات، وإنما ببناء قدرة إنتاجية وطنية قائمة على التخطيط والاستثمار والاستمرارية.

المطلوب هو تحويل الإمكانات الزراعية إلى فرصة حقيقية لتحسين حياة الناس، لا أن تبقى مجرد موضوع متكرر في الخطابات. ولتحقيق هذا الطموح، تبرز ثلاث توصيات تنفيذية واضحة:

  1. إطلاق برنامج وطني لزيادة إنتاج الطماطم خلال ثلاث سنوات، يبدأ بتوسيع شبكات الري في مناطق الإنتاج، وتوفير قروض موسمية مدعومة، وبذور وأسمدة ومعدات بأسعار ميسرة، مع تحديد أهداف سنوية للإنتاج ومتابعة تنفيذها من خلال مؤشرات معلنة.
  2. إنشاء منظومة متكاملة لما بعد الحصاد، تشمل مخازن مبردة ومراكز فرز وتعبئة قرب مناطق الإنتاج، وتحسين الطرق الزراعية والنقل، وإبرام عقود شراء مسبقة بين التعاونيات الزراعية والموزعين والمؤسسات العمومية، بما يقلل تلف المحصول ويضمن للمزارع سوقًا وسعرًا أكثر استقرارًا.
  3. اعتماد سياسة استيراد مرنة ومحددة زمنيًا، تربط حجم وتوقيت استيراد الطماطم بمستوى الإنتاج المحلي، مع تشديد الرقابة على الاحتكار والمضاربة، وتوجيه جزء من الرسوم أو العائدات إلى صندوق لتمويل الري والإرشاد والتأمين الزراعي ودعم صغار المزارعين.

عندها، لن يُقاس النجاح بأطنان الطماطم وحدها، بل بأسرة لم تعد ترهقها أسعار الخضروات، ومزارع وجد في أرضه مصدرًا مستدامًا للعيش، واقتصاد بدأ يعتمد على قدراته بصورة أكبر. ويبقى السؤال الأهم: متى ننتقل من إدارة ندرة المنتجات الزراعية إلى بناء القدرة على إنتاجها؟

شارك الخبر: