موريتانيا
سياسة

المخيال الاجتماعي واللاشعور السياسي: مفاتيح فهم أزمات السلطة في موريتانيا

الأخبار١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٤ م0 مشاهدة
المخيال الاجتماعي واللاشعور السياسي: مفاتيح فهم أزمات السلطة في موريتانيا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من أزمـــــات السلطة في موريتانيا (4)" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يستعرض هذا المقال تحليلاً للواقع السياسي الموريتاني مستلهماً من مفاهيم المفكر محمد عابد الجابري، وخاصة مفهومي "المخيال الاجتماعي" و"اللاشعور السياسي". وقد تم تقديم هذا التحليل في ورقة بحثية سابقة نُشرت في المركز الموريتاني للدراسات والأبحاث الاستراتيجية في أغسطس الماضي.

يشير المقال إلى أن "اللاشعور السياسي" يحكم الظاهرة السياسية من الداخل، بينما يمثل "المخيال الاجتماعي" المرجعية العامة لـ "العقل السياسي"، وهو مفهوم مستعار من علم الاجتماع المعاصر، ويتجاوز به الجابري طرح ريجيس دوبري. يوضح التحليل أن البُنى الخفية، مثل حضور القبيلة والبنيات الرجعية الأخرى، تتجسد في المخيال الجمعي وتؤطر الواقع السياسي الموريتاني، مما يكشف عن بنية حقيقية تتناقض مع تطبيقات الفكر الليبرالي.

من أبرز النتائج التي توصل إليها التحليل بخصوص السلطة في المجتمع الموريتاني تقليدياً:

  • السلطة غير مستقرة، ومهمتها الأساسية تحكيمية.
  • الصراع والتنافس والثأر سمات ثابتة في المخيلة السياسية، وتنعكس أهدافها على المنزلة الاجتماعية.
  • الحماية تمثل نوعاً من التوافق السياسي بين مجموعتين، تفرض إحداهما نفوذها على الأخرى.
  • الميدان السياسي مليء بالطقوس التي تعبر عن مواقف تجاه جماعات سياسية معينة.
  • اللجوء إلى الشريعة يتم فقط في حالات الهزيمة أو الدونية الاجتماعية.

فيما يتعلق بالواقع الحزبي، يبرز المقال حالة عدم الانسجام في المجتمع وأزمة القيادة المركزة فيه. يتوزع الفضاء السياسي بين نزعة تنظر إليه السلطة كآلية لتمرير إجراءاتها، ونزعة أخرى تجعل قادة الأحزاب ينخرطون في مقايضات سياسية واقتصادية. العملية السياسية لا تخضع للمنطق المتعارف عليه لمن يستحق أن يكون فاعلاً، بل أصبحت ميداناً للمقايضات لا يعبأ فيه إلا القليل بالمصلحة العامة.

يعزو المقال ميلاد هذه الاعتبارات إلى دستور 1991، الذي استلهم مبادئ الليبرالية مع التأكيد على أن الإسلام هو المصدر الوحيد للقانون. أدى هذا الدستور إلى عودة الحركات السياسية لتنظيماتها الحزبية، وتأثرت الأطر الإيديولوجية بصراع الجيش على السلطة، مما أدى إلى إحياء الروح القبلية كمحدد أساسي للممارسة السياسية. أصبحت الأحزاب مجرد آلية قانونية تغذيها الروح القبلية والشرائحية، وتُستخدم لتحقيق مكاسب من خلال تحالفات تظهر في فترات الانتخابات.

على المستوى الاقتصادي، يواجه المجتمع الموريتاني عدم انسجامية المجال السياسي التي تؤثر على الميدان الاقتصادي. ينتقد المقال الاكتفاء بالتحليل الماركسي الذي يركز على البنى التحتية، ويشير إلى أن الاقتصاد الموريتاني كان يعتمد بشكل مطلق على القطاع الأولي (الثروة الحيوانية والزراعة والصيد). منذ تأسيس الدولة، تم تهميش البنية الاقتصادية التقليدية لصالح القطاع الثاني (التصنيع)، مما أحدث تشويشاً مستمراً. تفاقمت الأزمة مع الاتفاق مع البنك الدولي عام 1985، الذي طبق مبادئ الاقتصاد الليبرالي، وتمت خصخصة مؤسسات اقتصادية، وتخلت الدولة عن الإيراد والتصدير، مما ترك المجتمع يواجه جشع التجار.

تتشعب أزمات السلطة في موريتانيا ولا ترتبط بذاتها فقط، بل بما يحيط بها ويساهم في استمرارها. تعجز السلطة عن تلبية احتياجات المجتمع وكسر الهوة القائمة بينها وبينه. لا يقتصر التحكم في عدم بروز هوية سلطوية متماسكة على البعد الاقتصادي والسياسي، بل يشمل البعد الثقافي أيضاً، الذي يعاني من ازدواجية بين النموذج التقليدي (المحظرة) والنموذج التحديثي (المدرسة)، مما زاد من أزمة السلطة وشوه إنتاج النخبة.

في ظل الحوار السياسي المرتقب، يؤكد المقال على ضرورة مناقشة الأمور الجوهرية لخدمة الصالح العام، وليس فقط الأمور التي تخدم السلطة لحظياً. يدعو إلى إعادة التفكير في التأسيس لتوجه يوافق الطبيعة الاجتماعية، ويجعل الدولة تسيطر على مواردها واقتصادها وأسعارها، ويخلق نموذجاً تنموياً وحوكمة مناسبة. هذه الدعوة ليست للتوجه الشمولي، بل للتفكير بعين وطنية وخلق نواة لعقل استراتيجي يؤطر السلطة وتوجهاتها.

شارك الخبر: