موريتانيا
ثقافة

جدل حول ريادة الشعر الحساني: هل كان غرظ ولد بلغامه الدليمي من الأوائل؟

الأخبار٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:١٢ م0 مشاهدة
جدل حول ريادة الشعر الحساني: هل كان غرظ ولد بلغامه الدليمي من الأوائل؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مناولة حول الشاعر الحساني: غرظُ ولد بلغامه الدليمي" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يزال البحث في مجال الشعر الحساني، المعروف بـ"لغن"، في مراحله الأولى، وتتمثل أبرز إشكالياته حتى الآن في صعوبة عزو النصوص لقائليها الفعليين لتقادم العهد بها، وتحديد عدد بحوره لاختلاف معايير تصنيفه، وتحديد تاريخ بداياته المعروفة محلياً بسبب غياب التوثيق والاعتماد على روايات شفهية متضاربة. كما تتداخل مصطلحات التسميات التي تطلق عليه، وتبرز الحاجة لإنشاء أدوات ومناهج نقدية مناسبة لدراسة طيفه الفني والجمالي والشكلي، والتأشير على بداياته التاريخية من خلال استقراء القرائن والنصوص والمضامين.

لقد حاولتُ، ضمن اهتمامي الأنثروبولوجي بالظاهرة الثقافية للمجتمع الناطق بالحسانية في الغرب الصحراوي، المساهمة في حل هذه الإشكالات المزمنة، وذلك بالبحث فيما هو موجود في الذاكرة المحفوظة حسب الرواية الشفهية، مع تعميم البحث على كامل المجال المدروس قدر الإمكان.

في هذه المناولة، أعود إلى إحدى الإشكاليات الكبرى المتعلقة بشعر الحسانية، وأتطرق إلى بعض الاعتراضات على ما ذهبتُ إليه من أن غرظ ولد بلغامه الدليمي من بين الأوائل الذين احتفظت الذاكرة الجمعية بنماذج من نصوصهم مع أسمائهم. وأود التنبيه إلى بعض الخلفيات التي تستدعي التوضيح، خاصة التعاطي مع ملاحظات بعض الباحثين الشباب المتحمسين.

أولاً: مناولة حول الأسبقية والتدوين:

  1. الأسبقية واللحوق في الظواهر الأدبية والفنية والمعرفية ليست مسألة جوهرية في تحديد جودة المقول، فكم من لاحق تجاوز المتقدم.
  2. معظم شعر الحسانية والفن الموسيقي والحكايات والأساطير والأمثلة والأحاجي الموريتانية والغرب صحراوية البظانية لا تزال شفهية، إذ لم يدون منها إلا القليل، وهي بذلك من جنس المرويات لغياب التدوين أصلاً والاعتماد على الذاكرة.
  3. بناءً على هذه المعطيات، تبقى النتائج والاستخلاصات مؤقتة أو نسبية في هذا الحقل، وتصبح في درجة الاستئناس والمقاربة وغالب الظن.

في هذه المناولة، سأكمل وأدعم بعض الاستنتاجات التقريبية السابقة التي تحدثت فيها عن شعر الحسانية، وخاصة "لغن المعروف القائل".

أولاً: اغن التلول:

يتميز "اغن التلول"، وهو شعر حساني نشأ في منطقة الصحارى الشمالية، بذكر بعض الأماكن والنباتات والمعالم المحلية المعروفة في الغرب الصحراوي. الشعر الهلالي سابق تاريخياً لأدب التلول. ومن أمثلة اغن التلول، بت الواكدي، الذي يتألف گافه من شطرين بروي واحد. ومن علامات هذا الغن أنه يبدأ أحياناً بفاتحة "مزين"، وأنه غير معروف القائل، ولغته فصحى قحة خالية من الدخيل الصنهاجي إلا عند ذكر الأماكن المسماة به، مما يعني أنه ظهر قبل التداخل اللغوي اللاحق.

ثانياً: "ما بعد اغن التلول":

في هذا النوع، تداخل مع ما سبقه من اغن التلول، لكن ميزته أنه معروف القائل بالحكاية المصاحبة للنص المروي، ولغته أقرب إلى لهجتنا اللاحقة. يتداخل فيه المصطلح الصنهاجي بشكل نادر مع العربية، وتظهر فيه فاتحة "مزين" التي ورثها عن اغن التلول. وأضرب لهذا الشعر مثالين: الأول يعزى لله بنت الدميس (أو لبنت احميده)، والثاني نص للرشيد المولاتي الدليمي.

موجبه غرظ ولد بلغامه:

استنتج بعض الباحثين الشباب أن "غرظ ولد بلغامة ليس من الجيل المبكر في لغن الذي عرف قائله؛ بل قد يكون متأخراً إلى القرون التالية (18/19م)، بدليل أن النص الذي أوردتُه له ليس بالضرورة في سيره ولد عبد الله لأن غرظ لم يذكره بالاسم".

أنبه هنا إلى عدة أمور تؤكد ما ذهبتُ إليه، وتؤكد التعجل في استنتاجات بعض هؤلاء الباحثين الشباب:

  1. أن غرظ هذا نزل على سيره ولد امحيمد ولد اعلي ولد عبد الله فأكرمه وأجله، وحلف الشاعر أن يمدحه متقفياً الحروف الهجائية.
  2. سمى غرظ ابنه على هذا الأمير بعد أن أصبح شاباً في الثلاثين من عمره.
  3. مدح غرظ الأمير سيره ولد امحيمد ولد اعلي ولد عبد الله، وهو عم بكار الغول ولد اعل ولد امحيمد ولد اعلي ولد عبد الله البركني، وذكره في نصوصه بالاسم.

لتحديد التاريخ التقريبي لسيره، فهو عم بكار الغول الذي هو من قادة "شربب"، التي انتهت في منتصف سبعينيات القرن السابع عشر، وهو والد اخناثه التي تزوجها المولى إسماعيل سلطان المغرب إما سنة 1678م، أو 1680م. فلا صحة إذن، بالقرائن وتواريخ الأعيان ومضمون النصوص، للقول "إن غرظ ولد بلغام الدليمي متأخر عن القرن 17 وأوائل القرن الثامن عشر". فكل القرائن تؤكد أنه من متقدمة شعراء الحسانية الذين احتفظت بهم الذاكرة الجمعية مع حكايات نصوصهم.

سنواصل في الجزء الثاني معالجة الوثائق المؤكدة.

شارك الخبر: