موريتانيا
ثقافة

مذكرات محفوظ الوالد: قراءة نقدية لمواقف فكرية وسياسية

صحراء ميديا٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٦ م0 مشاهدة
مذكرات محفوظ الوالد: قراءة نقدية لمواقف فكرية وسياسية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هوامش على مذكرات محفوظ الوالد" نشر أولاً على موقع صحراء ميديا وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أنهيتُ مؤخرًا قراءة مذكرات الشيخ أبي حفص محفوظ الوالد، وأود أن أشارك ببعض الملاحظات الأولية التي قد تتطلب تفصيلاً أكبر في حلقات قادمة. أولاً، اعترف بأنني لم أكن أعرف الشيخ جيدًا رغم علاقتي الممتدة لأكثر من ثلاثين عامًا. إلا أن مذكراته كشفت لي عن قناعاته الحقيقية ومواقفه من القضايا الدينية والحياتية الجوهرية، وطبيعة شخصيته وتعامله مع الآخرين. لقد كان صريحًا في طرحه وتقييمه للأشخاص، حتى من كان يُجلُّهم ويُقدِّرهم، مثل قائده الشيخ أسامة بن لادن. كنتُ متشوقًا لهذه المذكرات، آملًا في الاستفادة منها، خاصةً وأنني كنت أنتظر من الشيخ تقويمًا جريئًا لمسيرة المجموعات التي خاضت معارك باسم الجهاد، وأزهقت فيها الأرواح وأسقطت الدول، وجرت مجتمعاتنا إلى الفتنة. إن تقويم تجربة كهذه، والاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها، هو دين مستحق على أمثال الشيخ أبي حفص، الذين كانوا في طليعة المنظرين لمدرسة لم ترَ جدوى في غير السلاح والقتل.

من محاسن المذكرات أن الشيخ، بلغة أدبية رصينة، كشف عن جانبه الإنساني، وحبه للخير وكرهه للشر. لقد أظهر الجانب الأدبي في شخصيته، وعشقه للحياة والجمال، وقدرته على تصوير الرحلات والمشاعر تجاه الكون. وعلى عكس التدين الجامد، فقد أسهب الشيخ في تصوير لحظات الإمتاع والمؤانسة، مما أضفى على المذكرات رونقًا خاصًا يكسر سيطرة المآسي.

في المجلد الأول، أبدى الشيخ تحفظه على الحركة الإسلامية في موريتانيا، رغم أنها فتحت له أبواب العمل والنشاط. يروي الشيخ بعبارات قاسية مبررًا استقالته المبكرة من الحركة في مؤتمر الشباب، معللاً ذلك بـ “بحثًا عما يُروِّي ظمأ الهاربين من جحيم الأفكار الجافة”. كنتُ شاهدًا على تلك الفترة، حيث عشنا حياة التربية الإيمانية الخالصة في المخيمات والملتقيات الدعوية. كانت البرامج التربوية تعتمد على مختارات من الرقائق والكتب في التربية الإسلامية. أسأل فضيلة الشيخ: هل ناله في تلك الفترة شيء من لظى من عايشهم؟ هل عرف في شباب الحركة الإسلامية من لا يصلي الفرائض؟ إن الحركة الإسلامية ليست ملجأ موعظة، والدين ليس مجرد تسبيح وهز رؤوس، بل هو نصرة تحيي وتغني وتحمي. الشمول الإسلامي مطلوب، وهو ألوان البر كلها، ومنها السياسة والثقافة والفكر وكسب المال وإعمار الأرض.

سألتُ بعض الإخوة الذين حضروا مع الشيخ محفوظ في المؤتمر الذي استقال فيه، فأضافوا عاملًا آخر لاستقالته، وهو أن للشيخ رأيًا فيمن يكون رئيسًا للطلاب، وعندما لم يحظَ توقعه بالاختيار، أعلن الشيخ الاستقالة. علّق الشيخ بون عمر لي على الاستقالة بقوله: «كيف تحضر المؤتمر من أوله إلى آخره، ثم تقدم استقالتك بعد تبين نتائجه؟». تثبت سيرة الشيخ هذا المنحى، إذ إنه توّاق إلى أول صفوف الرجال. كان ذلك واضحًا من إصراره على قطع الدراسة من أجل الذهاب إلى داكار. كما صرح بأنه كان يتوق إلى لقاء الشيخ الملا عمر. ثم قدم استقالته لابن لادن، وكان سبب استقالته مخالفة الشيخ ابن لادن للملا عمر.

لاحظت أن الشيخ، عندما يكتب، يتدفق بالعلم والمعرفة، ولكن عند تنزيل الرأي على أرض الواقع قد لا يكلف نفسه عناء التوفيق بين التنظير والتنزيل. كتب كلامًا نفيسًا في تقويم الجماعات وإنصاف المخالف، وأورد كلامًا لعبد الله عزام عن سر التحامل على الإخوان المسلمين. ولكن الشيخ لم يجد في قاموسه تعابير غير التحامل على حكومة السودان واتهامها بطرد ابن لادن. ومن الغريب أن الشيخ هنا كان ملكيًا أكثر من صاحب الشأن ذاته؛ فالسودان استقبل ابن لادن مستثمرًا ورجل أعمال. كما نسق الأمن السوداني مع الشيخ محفوظ في الإيقاع بمن كانوا يخططون لقتله واعتقلهم. هنا يظهر التحامل مع عدم الإنصاف الكافي عندما يقول الشيخ إن أسامة خرج من السودان بدون أمواله التي استثمرها.

التسليم للكفار أمر عجيب لباحث في الشريعة، لا يجد مخرجًا لدولة عضو في الأمم المتحدة، ويطلب منها الشيخ محفوظ أن تسعى لمصير كمصير أفغانستان. عندما سقطت كابل وخرج الشيخ محفوظ، تذكر أن كل ذلك حصل بسبب ابن لادن وعدم طاعته لأمير المؤمنين الملا عمر. فهل كان يريد الشيخ محفوظ للحكومة السودانية أن تهلك الحرث والنسل بحماية شخص مقابل هلاك أمة؟ ألم يتذكر تسليم النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندلةَ لسُهيل بن عمرو؟

من الغريب أن الشيخ محفوظ في مذكراته يعلن رفض الحادث، ويُشيد بفاعليه. فكم أشاد بالعمليات التي يعلن عدم اقتناعه بها، ثمّ يصف فاعليها بالشهداء، ويتناول سيرهم بالتمجيد. بل إنني أعجب من الشيخ؛ يصف أفعال أبي مصعب الزرقاوي، التي تبرأ منها ابن لادن والظواهري، بأنها تشفي صدور قوم. لم أستوعب أن الشيخ محفوظ يقر بأن ابن لادن يكفّر الحكام ويستمر معه، ولا يكون ذلك هو سبب المفاصلة معه! ألم يكن من الوارد أن نجد بين أكثر من ألف صفحة من هذه المذكرات بحوثًا عن خطر التكفير؟ ألم يمجد الشيخ، وما يزال في هذه المذكرات، زُمرةً أوغلوا في الدم المسلم واستباحوا دماء الأبرياء، وكان الشيخ يصف أفعالهم في كينيا ودار السلام، بالجهاد، وقتلاهم بالشهداء! ما الذي سيأخذه الشباب المسلم من رسائل كهذه تنضح بها مذكرات أبي حفص اليوم؟

شارك الخبر: