موريتانيا
اقتصاد

منتدى الجاليات الموريتانية: دعوة للانتقال من استهلاك الخدمات إلى المساهمة في التنمية

الأخبار٢ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٣:١٤ م0 مشاهدة
منتدى الجاليات الموريتانية: دعوة للانتقال من استهلاك الخدمات إلى المساهمة في التنمية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تأملات في مخرجات منتدى الجاليات: متى تتحول جالياتنا من مستهلكة للخدمات إلى صانعة للتنمية؟" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عندما يُسدل الستار على حدث وطني هام مثل "المنتدى الأول للجاليات الموريتانية"، وتعود الوفود إلى بلدان إقامتها، فإن قيمة هذا الحدث لا تُقاس بالشعارات الرنانة أو النقاشات العامة، بل بما تُسفر عنه نتائجه من أولويات وتوصيات تعكس فهماً عميقاً للواقع ومشاركة حقيقية في هموم الوطن. لقد تأملت طويلاً في المطالب التي قدمها ممثلو الجاليات في نواكشوط، خاصة تلك المتعلقة بإنشاء صندوق حكومي لتغطية تكاليف نقل جثامين المتوفين في الخارج، أو تأسيس مراكز تعليمية وثقافية لأبناء الجاليات بدعم رسمي. لا شك أن هذه المطالب تحمل مشروعية إنسانية وقانونية، فمشاعر الغربة وفقدان الأحباء خارج الوطن أمر مؤلم بحد ذاته. لكن الإشكالية تكمن في التوجه الذي قادت إليه هذه المطالب، وفي مدى إدراكنا للفجوة الكبيرة بين ظروفنا في المهجر وواقع مواطنينا في الداخل.

نحن نتحدث عن بلد يعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية في مناطقه الريفية والنائية، حيث تفتقر العديد من القرى للمدارس التي تستوعب أطفالها، والمستوصفات التي تقدم أبسط الرعاية الصحية. بل إن مرضى في مناطق نائية يواجهون الموت لعدم توفر وسيلة نقل إسعافية تنقلهم إلى أقرب مركز صحي. وحتى العاصمة نواكشوط تعاني من ضعف البنية التحتية في أحيائها الشعبية. فبأي منطق يمكننا أن نطالب الدولة بتمويل نقل جثامين الموتى أو إنشاء مراكز تعليمية لأبنائنا في الخارج، بينما يعاني أطفالنا في الداخل من قلة المدارس والمرضى من صعوبة الوصول إلى العلاج؟

المؤسف حقاً هو أن هذه الجاليات تضم كفاءات عالية، من رجال أعمال ناجحين، وأطباء، ومهندسين، وأساتذة جامعات، وخبراء قضوا سنوات في مجتمعات متقدمة تعتمد على المؤسساتية والتضامن. كان يُتوقع من هذه النخب أن تكون سباقة في المبادرة والعمل الذاتي، بدلاً من أن تشكل عبئاً إضافياً على دولة تواجه تحديات اقتصادية. ألم يكن بإمكان جالياتنا تنظيم نفسها وتأسيس صناديق تضامنية ذاتية لمعالجة شؤون موتاها ودعم تعليم أبنائها، دون أن تتحول هذه القضايا إلى محور نقاش في مؤتمر وطني مخصص للتنمية والاستثمار؟ ألم يكن من الأجدى برجال الأعمال والكفاءات في المهجر أن يعودوا إلى الوطن حاملين مشاريع تضامنية، مثل ترميم مدرسة في قرية محرومة، أو توفير سيارة إسعاف لمركز صحي، أو تنظيم برامج تدريبية يقودها الأطباء المغتربون؟

إن بناء الأوطان لا يعتمد على المطالبة المستمرة بالحقوق الفردية، بل على جهود الأبناء المخلصين الذين يبادرون بالعطاء قبل أن يطلبوا. وعندما تتحول مؤتمرات الكفاءات إلى منصات لتقديم الطلبات والاحتياجات الشخصية، فإننا نرسل رسالة سلبية للمواطن البسيط في الداخل، مفادها أننا نرى الوطن من منظور ضيق وأن معاناته اليومية تأتي في مرتبة متأخرة من أولوياتنا. للحكومة مسؤوليتها في توفير الخدمات الأساسية ورعاية مواطنيها، ولكن للمجتمع، وخاصة النخب، مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه أهلهم. لقد انتهى المنتدى، وبقيت الأسئلة المؤلمة معلقة: ماذا قدمنا بأيدينا لمن لم تسنح لهم فرصة الهجرة؟ وكم من قرية أنقذناها بجهد ذاتي؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة هي المقياس الحقيقي لانتمائنا، وهي السبيل لجعل حضورنا في الخارج قيمة مضافة حقيقية للوطن.

شارك الخبر: