ذكريات عطرة ومواقف خالدة مع الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم


هذا الخبر بعنوان "ذكريات جميلة من الزمن الجميل" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ شتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم. يأتي هذا المقال استذكاراً لمواقف نبيلة وذكريات جميلة مع الشيخ ووالدنا الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم، طيب الله ثراه، ورزقه عفوه ورضاه، في خاطرة عنونتها بـ«ذكريات جميلة من الزمن الجميل». لا أستعرض هنا أوصاف الشيخ الفاضلة من علم وزهد وعبادة وتواضع وكرم وحسن خلق، بل أكتفي بتسجيل ذكريات عامة وخاصة تعكس صوراً ناصعة من علاقته المميزة بطلابه.
من الله علي بالأخذ عن هذا الشيخ والقرب منه حين جئت إلى قريته المباركة، قرية التيسير، ذات مساء يوم الجمعة 22 من شهر ربيع النبوي، عام 1414هـ (1993م). كنت أتوقع صعوبة في لقائه لشهرته، فإذا به هو أول من استقبلني، وهش وبش، وأتاني بالشراب بيديه المباركتين. سألني عن الجهة القادم منها وعن الوالد، ثم سألني عن الحقوق فأخبرته عن الوالدة وإيثارها للتعليم، فابتسم وقال: «التعلم»، ولم يكهرني ولم يظهر الاشمئزاز من لحني، بل قال: «مشِّ، أقرئك»، فقرأت عليه من باب النكرة والمعرفة في الألفية.
وفي صباح اليوم التالي، وحين رآني أحمل حقيبتي متوجهاً إلى مساكن الطلاب، قال لي: «لا يا إبراهيم، سلمان منا آل البيت. علاقتك بالطلاب أوقات الدراسة فقط، أما أوقات الراحة فأنت معنا هنا»، وخصص لي بيتاً وغمرني بإحسانه وعطفه، فكان يأتي لي بالطعام بنفسه إذا تأخرت. ولم أنسى جميل والدتي الكريمة بنت الكرام عاشه، وإخوتي الكرام محمد سالم، وأبو محمد، واتاه، وعبد الرحمن، والجميع ممن تسابقوا إلى إكرامي.
بقيت مكرماً مبجلاً، وذات يوم سمعني الشيخ أترنم بأبيات للأديب مم بن عبد الحميد، فقال لي: «يا إبراهيم، أنت لست بهين، وإني ورب الكعبة لست بهين عندهم، بل معزز مكرم مبجل معظم»، وأملى علي بيتين في خفض العيش والأوطان. وكان رحمه الله يأتيني في الظلام الدامس خفية ليضع الآلاف في جيبي، وتركني أواصل كتابة «اكحلال» بن مالك حتى تبين له أهليتي لحمل العلم، فطلب مني كتابة جامع بن بونه، وصار يدرسني درسين؛ درساً مع الطلاب، ودرس وحدي في بيته ليلا.
وكان حريصاً على مواصلتي للدراسة ويخاف علي من قطعها، حتى إنه أوصى ابن أختي وأخي الغالي أمانة الله بن محمد لقظف بألا يرسل لي ما يشوش علي. وحين مرضت وذهبت إلى انواكشوط للعلاج عند الخال الشريف زين بن سيد محمد، أرسل إلي رسالة يقول فيها: «لا تبطؤ، فنحن في اشتياق إليك». ولما رجعت فرح بي وأمر الأخ عبد الرحمن بأن يسمعنا أبيات ذي الرمة، وكان يطمئني دائماً ويدعو لي بدعوة دعا بها شيخه الشيخ محمد سالم بن ألما.
تعرضت لمواقف كثيرة من الإشكالات العلمية التي كان يوضحها لي، ومرة هممت بالذهاب عن المحظرة لشدة إرهاق الدروس، فدخلت عليه وأخبرته، فتبسم وقال: «لا تخف، سيزول كل ذلك بإذن الله. تدبر قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾»، فأزالت كلماته عني كل هم. وعندما قررت الذهاب عن المحظرة، شرفني بتشييعي حتى تجاوزنا الدور وأثنى علي أمام الحاضرين.
بقيت على صلة به زيارة واتصالا، وكنت أطلب من إخوتي أن يعطوه لي في الهاتف ليلة سبع وعشرين من رمضان ألتمس منه دعوة صالحة، وكان يراسلني برسائل تشرفني وتسعدني. وما جئته في زيارة إلا فرح بي وودعني، بل إنه عندما أصبح لا يقدر على القيام صار يعتذر لي عند الوداع عن عدم التشييع. رحم الله شيخنا، وأسكنه فسيح جناته، وكتبه إبراهيم بن محمد فضل الله بن أهل أيد في نواكشوط بتاريخ 26 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 8 سبتمبر 2026م.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة