موريتانيا
اقتصاد

مياه موريتانيا الجوفية: ثروة الأجيال تتطلب مسؤولية التجار والمزارعين

الأخبار٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٦ م0 مشاهدة
مياه موريتانيا الجوفية: ثروة الأجيال تتطلب مسؤولية التجار والمزارعين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إلى التجار والمزارعين: مياه موريتانيا الجوفية أمانة للأجيال" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يمثل التوسع في الزراعة المروية وتصدير المنتجات الزراعية فرصة اقتصادية حيوية لموريتانيا، إذ يساهم في خلق فرص عمل، وتنويع مصادر الدخل، وفتح أسواق جديدة للمنتجات الوطنية. إلا أن هذه الفرصة تتطلب وعيًا جماعيًا لضمان عدم تحول مكاسب الحاضر إلى أزمة مياه تهدد مستقبل الأجيال القادمة. فوفقًا لما نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء في 13 مارس 2026، نقلاً عن رئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، بلغت صادرات البطيخ إلى الأسواق الأوروبية حوالي 30 ألف طن خلال الربع الأول من عام 2026، محققة إيرادات تجاوزت 120 مليون دولار. تعكس هذه الأرقام الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع، وتؤكد على ضرورة فهم مصدر مياه الري وحجم استهلاكها كمسألة وطنية ملحة. تجدر الإشارة إلى أن هذه الحصيلة المعلنة تتعلق بعام 2026، وليس بالعام السابق.

يطرح التوسع الزراعي تساؤلاً جوهريًا: هل نعتمد على مصادر مياه متجددة بشكل كافٍ، أم نستنزف مخزونًا مائيًا يتجدد ببطء ويصعب تعويضه؟ تشير دراسة علمية صدرت عام 2024 حول خزان الترارزة إلى أن تغذية هذا الخزان من مياه الأمطار محدودة، وتقدر بحوالي أربعة مليمترات سنويًا، مع مساهمة محدودة من نهر السنغال. وعلى الرغم من أن الدراسة رصدت استقرارًا إقليميًا طويل الأمد في مستويات المياه، إلا أنها لا تقدم ضمانًا لاستدامة أي توسع جديد في عمليات الضخ. فوجود مخزون مائي كبير لا يعني بالضرورة سرعة تجدد المياه أو سلامة الاستهلاك غير المحدود.

تجارب دول أخرى تقدم لنا إنذارًا مبكرًا. ففي المغرب، قدر البنك الدولي أن السحب من المياه الجوفية يتجاوز مواردها المتجددة بنحو 1.1 مليار متر مكعب سنويًا. وفي مدينة زاكورة، اتخذت السلطات منذ أكتوبر 2022 إجراءات لتقييد زراعة البطيخ والشمام، وحماية مصادر مياه الشرب، ومراقبة الآبار. هذه القيود محلية وليست حظرًا شاملًا للزراعة المروية في المغرب. أما في الأردن، فقد سجلت وزارة المياه والري عام 2023 سحبًا من الأحواض الجوفية بلغ حوالي 699 مليون متر مكعب، بينما الحد الآمن للسحب المعتمد يقارب 419 مليون متر مكعب. يشمل هذا السحب جميع الاستخدامات، ولكنه يوضح خطورة تراكم العجز المائي عامًا بعد عام.

لا تعني هذه المقارنات أن موريتانيا وصلت إلى نفس الوضع، ولا تثبت أن جميع مزارعها تستنزف المياه الجوفية. فالري من نهر السنغال يختلف عن الضخ من الآبار، ولكل حوض خصائصه الفريدة. ومع ذلك، فإن هذه التجارب تقدم درسًا واضحًا: حماية الموارد المائية تبدأ قبل تفاقم الأزمة، وليس بعد جفاف الآبار. لذا، فإن النداء موجه إلى التجار والمستثمرين والمزارعين لجعل حماية المياه جزءًا لا يتجزأ من نجاح مشاريعهم. يتضمن ذلك قياس كميات الضخ بدقة، والالتزام بالتراخيص والحصص المائية المحددة، ومراقبة مستويات المياه وملوحتها، وتجنب التوسع الزراعي قبل التأكد من قدرة المورد المائي على تحمل الاحتياجات الإضافية. حتى تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط واستخدام الطاقة الشمسية، رغم فوائدها، لا تلغي ضرورة ضبط الاستهلاك. فقد يؤدي سهولة الضخ وانخفاض تكلفته إلى توسيع المساحات المزروعة، مما يزيد الكمية الإجمالية المستهلكة بدلًا من تقليلها.

على الجهات المختصة مواكبة الاستثمار الزراعي بجرد دقيق للآبار، وتركيب عدادات لقياس الاستهلاك، ونشر بيانات شفافة حول الموارد المائية المتاحة. كما يجب اشتراط إجراء تقييم للأثر المائي للمشاريع الكبرى، مع إعطاء الأولوية القصوى لمياه الشرب واحتياجات السكان الأساسية. نطمح إلى تحقيق نجاح زراعي مستدام، وتمكين المزارعين من تحقيق الربح وضمان مستقبل آمن لأبنائهم. فالمياه الجوفية ليست ملكية خاصة لمن يحفر بئرًا ويضخ منها؛ إنها ثروة وطنية مشتركة، وأمانة في أعناقنا، وحق أصيل للأجيال القادمة. علينا أن نحمي هذا المورد الثمين، لكي لا نزرع أرضًا اليوم ونحرم أبناءنا ماءها غدًا.

شارك الخبر: