موريتانيا
اقتصاد

التكوين المهني في موريتانيا: سد الفجوة بين المهارات وسوق العمل لمواكبة النهضة الاقتصادية

الأخبار٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٠ م0 مشاهدة
التكوين المهني في موريتانيا: سد الفجوة بين المهارات وسوق العمل لمواكبة النهضة الاقتصادية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التكوين المهني ورهان السوق: من تجربة الميدان إلى تحديث المنظومة ومواكبة الطفرة الاقتصادية" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشهد العاصمة نواكشوط والمناطق الصناعية والتجارية فيها طفرة عمرانية واقتصادية ملحوظة، تتجلى في بناء المنشآت الفولاذية، وتحديث المخازن، وإنشاء المخابز الآلية، ومحطات الوقود، وتركيب أنظمة التبريد والتكييف المتقدمة. هذه النهضة العمرانية تثير تساؤلات حول هيمنة العمالة الوافدة على الوظائف الفنية المتخصصة، حيث تشير تقديرات ميدانية غير رسمية إلى أن العمالة الأجنبية تستحوذ على نسبة تتراوح بين 70% و 80% من هذه الوظائف، مقابل حضور محلي محدود يقتصر غالباً على الأعمال اليدوية التقليدية.

على الرغم من الجهود المبذولة من قبل القطاع الوصي والمؤسسات المعنية بالتكوين المهني لتطوير البنية التحتية وافتتاح مراكز جديدة، إلا أن وتيرة تحول سوق العمل فاقت سرعة التحديث القياسية. وتختصر تجربة شخصية هذه الفجوة الهيكلية؛ فبعد التخرج من مركز التكوين والتدريب المهني دفعة 2002 في تخصص التبريد والتكييف، والحصول على المرتبة الأولى، حالت العوائق البيروقراطية دون استكمال المسار الأكاديمي واستغلال المنحة. كما ساهم غياب التأطير والمواكبة في عزوف غالبية الزملاء عن ممارسة التخصص، حيث اقتصر الاستمرار الميداني على شخصين فقط من أصل 20 طالباً.

يمثل هذا نموذجاً لظاهرة التسرب المهني التي تمتد إلى مختلف التخصصات، مؤكدة عمق أزمة استيعاب الكفاءات الوطنية وفجوة التكيف مع متطلبات السوق. تعود هذه الأزمة إلى عوامل متداخلة، أبرزها بطء تكييف المناهج مع التقنيات الحديثة، والاعتماد على أنماط تدريبية قديمة لم تعد تستجيب للحلول الآلية المتقدمة. تضاف إلى ذلك تحديات البنية التحتية، وقلة تجهيزات الورش، والحاجة إلى تطوير خبرات المدربين، وضعف الشراكات المباشرة مع شركات القطاع الخاص والورش الكبرى، مما يحرم المتدرب الوطني من الاحتكاك الميداني المبكر.

في المقابل، يمثل التعليم المهني والتقني في العديد من الدول المغاربية والإفريقية المجاورة ركيزة أساسية للاقتصاد، ويتفوق على التعليم الجامعي التقليدي في سرعة التشغيل وملاءمة المخرجات. تتجلى هذه النماذج في المملكة المغربية عبر مدن المهن والكفاءات ومعاهد الطيران والسيارات، وفي السنغال من خلال مراكز التميز في هندسة وتقنيات النفط والغاز التي تضمن عقود عمل للخريجين، وفي الجمهورية التونسية عبر منظومة التكوين بالتداول. تعتمد هذه الدول على تصميم المناهج بالشراكة مع المصانع، ومنح شهادات معترف بها دولياً، والتركيز على المهارات الناعمة.

يتطلب استثمار الطفرة العمرانية وتحويلها إلى فرص عمل دائمة للشباب الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مأسسة الحلول وتطبيق خارطة طريق عملية. يبدأ ذلك بإنشاء مرصد وطني لملاءمة التكوين مع متطلبات السوق يعتمد الرصد الميداني لتحديث البرامج دورياً، يليه تحديث الورش التعليمية وإطلاق دورات مستمرة لتأهيل المدربين على التقنيات الحديثة. كما يتطلب الأمر الاعتماد على مناهج تفاعلية مبنية على الكفايات تُراجع بالشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين، وفرض ساعات تدريب عملي إجباري داخل الشركات والورش كشرط للتخرج، لضمان إحلال الكفاءات الوطنية مكان العمالة الوافدة بشكل تدريجي وآمن.

يظل توطين المهن وتحقيق الملاءمة بين التكوين والسوق استثماراً استراتيجياً يضمن استدامة الطفرة الاقتصادية ويجعل الكفاءات الوطنية المحرك الأساسي لنهضة البلاد.

شارك الخبر: