منتدى الجاليات الموريتانية: ما بعد الختام.. هل تتحقق الوعود؟


هذا الخبر بعنوان "منتدى الجاليات الموريتانية: ماذا بعد انتهاء المنتدى؟" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قد يبدو تنظيم منتدى، ودعوة ممثلي الجاليات والخبراء والمسؤولين، والاستماع إلى المداخلات والخروج بتوصيات، أمرًا سهلًا نسبيًا. لكن التحدي الأكبر يبدأ عادة بعد انتهاء اللقاء، وعودة الجميع إلى مواقعهم، ليظل السؤال الأهم عالقًا: ما الذي سيتغير فعليًا بالنسبة للموريتانيين المقيمين في الخارج؟
إن أهمية منتدى الجاليات الموريتانية لا تقاس بعدد المشاركين أو تنوع جلساته، بل بما يمكن أن يؤسس له من علاقة جديدة بين الدولة ومواطنيها في الخارج. فالجاليات الموريتانية لم تعد مجرد مجموعات من المغتربين ترتبط بالدولة عند الحاجة لخدمة قنصلية؛ لقد تطورت تركيبتها واتسع حضورها، لتضم رجال أعمال، أطباء، مهندسين، أساتذة، باحثين، خبراء، وطلابًا، بل وشبابًا نشأ بعضهم خارج موريتانيا. هذا الواقع يستدعي تغييرًا في النظرة إليهم.
في هذا السياق، تُعد المشاورات التي أجرتها وزارة الخارجية مع ممثلي الجاليات في 23 دولة خطوة إيجابية. فاستماع الإدارة للمعنيين بالسياسة قبل صياغتها أفضل من فرضها عليهم كأمر واقع. ومع ذلك، فإن الاستماع ليس غاية في حد ذاته. فالعديد من المشكلات التي طرحتها الجاليات ليست جديدة، وتشمل شكاوى مستمرة حول الخدمات القنصلية، والحالة المدنية، والوثائق، ومشكلات الإقامة، والحاجة إلى مواكبة قانونية واجتماعية أفضل.
ويبرز أيضًا هاجس الحفاظ على صلة أبناء الموريتانيين المولودين في الخارج بوطن آبائهم. هذه قضايا يعرفها المسؤولون والجاليات على حد سواء. لذا، تكمن القيمة الحقيقية للمشاورات في الانتقال من تشخيص المشكلات إلى إيجاد حلول قابلة للتطبيق.
كمثال، عند الحديث عن رقمنة الخدمات القنصلية، لا يهم المواطن المصطلح بقدر ما يهمه تجنب عناء السفر الطويل للحصول على وثيقة يمكن طلبها إلكترونيًا، أو معرفة مصير معاملته، أو الحصول على رد عند تعطلها. هنا، تصبح الرقمنة إصلاحًا حقيقيًا وليست مجرد تحديث شكلي.
لكن القضية الأهم تتجاوز الخدمات القنصلية. فموريتانيا تمتلك في الخارج رصيدًا من الخبرات قد لا نعرف حجمه الحقيقي. هناك موريتانيون يعملون في جامعات، مستشفيات، شركات، مؤسسات دولية، ومراكز بحث، ورجال أعمال اكتسبوا خبرات في أسواق مختلفة. السؤال هو: ماذا نعرف عن هؤلاء؟ وكيف نتواصل معهم للاستفادة من خبراتهم؟
لا يُطلب من كل كفاءة موريتانية في الخارج العودة الفورية. يمكن للباحث أن يخدم جامعة موريتانية من الخارج، وللطبيب أن يساهم في تدريب زملائه، وللمهندس أو الخبير أن يقدم معرفته لمشروع وطني. ما ينقصنا هو التنظيم، ويمكن البدء بإنشاء قاعدة بيانات اختيارية للكفاءات الموريتانية في الخارج، تحدد مجالات تخصصهم وتسهل وصول المؤسسات الوطنية إليهم.
ينطبق الأمر ذاته على الاستثمار. فالمستثمر الموريتاني في الخارج سيحتاج إلى معرفة الإجراءات، الوقت اللازم، الضرائب، الضمانات، ووضوح القوانين. الانتماء للوطن قد يشجع على الاستثمار، لكن بيئة استثمار واضحة هي الأساس. لذا، قد يكون من المفيد إنشاء نافذة لمواكبة المستثمرين الموريتانيين في الخارج.
أما تحويلات الموريتانيين في الخارج، فلا يجب اختزالها في أرقام مالية. هذه الأموال تؤدي وظيفة اجتماعية مباشرة. وإذا أرادت الدولة تحويل جزء منها إلى استثمار منتج، فعليها تقديم فرص موثوقة وشفافة ومجزية.
يبقى ملف أبناء الجاليات الذين ولدوا وكبروا خارج موريتانيا بحاجة لاهتمام أكبر. الجيل الأول يحمل البلد معه، لكن أبناءه وأحفاده قد يعرفونه من حكايات الأسرة. الحفاظ على هذه الصلة يتطلب تعليمًا، محتوى ثقافيًا مناسبًا، برامج صيفية، وزيارات تبادل شبابي، ليشعر الشاب الموريتاني في الخارج بأن علاقته بموريتانيا تخصه شخصيًا.
يمكن لهذه الأفكار، وغيرها، أن تخرج من المنتدى. لكن التجربة تعلمنا أن المشكلة ليست في نقص التوصيات، بل في التنفيذ. نجاح المنتدى يرتبط بما سيحدث بعده: هل ستعلن الحكومة التزاماتها التنفيذية، وتحدد المسؤولين، وتقيس الإنجازات؟
لا نحتاج لعشرات البرامج الجديدة، بل قد يكون الأجدى اختيار عدد محدود من الأمور التي يلمسها المواطن مباشرة في السنة الأولى: خدمات قنصلية إلكترونية فعالة، آلية شكاوى واضحة، قاعدة بيانات للكفاءات، مسار مبسط للمستثمرين، وبرنامج لربط الجيل الجديد بوطنه. ثم نقيس النتائج. فالسياسات العامة تُختبر بما تغيره على الأرض.
بدأت الحكومة بالاستماع للجاليات، وهي خطوة تُحسب لها. لكن قيمة الاستماع تظهر عندما يشعر المتحدث بأن كلامه لم يذهب سدى. وبعد عام، لن يُسأل عن عدد الجلسات أو التوصيات، بل عن التغيير الفعلي الذي طرأ على حياة الموريتاني في الخارج. إذا وجدنا جوابًا واضحًا، فقد أدى المنتدى وظيفته.
منوعات
منوعات
سياسة
اقتصاد