ما بعد التفاهة: حين تتصدر الشهرة المشهد وتطغى على القيمة الحقيقية


هذا الخبر بعنوان "عالم ما بعد التفاهة: حين تصبح الشهرة بديلًا عن القيمة" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ليست التفاهة ظاهرة مستحدثة في حياة البشر، فقد كانت دائمًا جزءًا من النسيج الاجتماعي، كأي ضجيج عابر أو شيء زائل. الجديد في الأمر هو أن التفاهة لم تعد مجرد هامش في الصورة الكلية، بل أصبحت في بعض مساحاتنا العامة أقرب إلى الصورة ذاتها. لم تعد سلوكًا عابرًا يثير الدهشة، بل تحولت إلى صناعة متكاملة لها نجومها وأسواقها ومعاييرها الخاصة في توزيع الشهرة والاهتمام. لقد انتقلنا من عصر كانت فيه الشهرة غالبًا ما تكون نتيجةً لعمل جاد، أو موهبة فذة، أو معرفة عميقة، إلى عصر قد تصبح فيه الشهرة بديلاً لهذه الركائز الأساسية. لم يعد السؤال المحوري هو: ماذا أنجزت؟ أو ما الفكرة التي تثري بها النقاش العام؟ بل تحول إلى: كم عدد المشاهدات التي حظيت بها؟ وكم مرة تم تداول اسمك؟ وكم من الوقت استطعت أن تستحوذ على الشاشة، حتى لو كان حضورك لا يتجاوز مشهدًا عابرًا أو جدلاً مفتعلًا؟
هنا تكمن مفارقة العصر: قد يصبح المرء معروفًا دون أن يكون له تأثير حقيقي، حاضرًا في كل مكان دون أن يترك بصمة ملموسة. لا تكمن المشكلة في الترفيه بحد ذاته؛ فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الضحك والراحة، والثقافة ليست دعوة إلى الجدية المطلقة. كما أن المنصات الرقمية قد فتحت آفاقًا واسعة للتعبير، وكسرت احتكارًا قديمًا للظهور، ومنحت أصحاب المواهب فرصًا لم تكن متاحة لهم من قبل. لكن الخطر يبدأ حين يصبح جذب الانتباه هو المعيار الأسمى، وحين تتراجع قيمة المحتوى أمام قدرته على إثارة الغرائز، أو افتعال الخصومات، أو استدعاء الصدمة. في اقتصاد الانتباه، لا تُقاس الأشياء دائمًا بما تحمله من معرفة أو منفعة، بل بما تستقطبه من تفاعل. والفكرة العميقة تحتاج إلى وقت لفهمها، والعمل الجاد إلى سنوات لتظهر ثماره، بينما قد تصنع لقطة واحدة شهرة عابرة في ساعات قليلة.
مع تكرار هذا المشهد، يختلط الانتشار بالاستحقاق، والتصفيق بالجودة، وعدد المتابعين بقيمة الإنسان. عندها لا تعود المسألة مرتبطة بمن يصنع المحتوى وحده، بل تتعداه لتشمل المستهلك والمنظومة التي تكافئ ما يثير الانتباه ولو كان قليل القيمة. وتزداد خطورة الظاهرة حين تنتقل من الشاشة إلى تصورات الناس عن النجاح. فالشاب الذي يرى الشهرة السريعة تُقدَّم له يوميًا كإنجاز مكتمل قد يبدأ في النظر إلى التعلم والتكوين والعمل المتدرج باعتبارها طرقًا بطيئة لا تستحق الانتظار. وقد ينشغل بصناعة صورته أكثر من بناء قدراته، وبالحصول على التصفيق أكثر من اكتساب الخبرة. وهكذا تتحول التفاهة من مجرد مادة للتسلية إلى معيار خفي يعيد تشكيل الطموح، ويؤثر في معنى الجدارة والاستحقاق لدى الأجيال الصاعدة.
لا يعني ذلك أن أصحاب المعرفة قد اختفوا، أو أن الموهبة فقدت قيمتها، بل إن أصواتهم باتت تتنافس في فضاء مزدحم لا تتساوى فيه فرص الظهور. فالمثقف قد يُطالب أحيانًا بأن يختصر فكرته حتى تكاد تفقد معناها، والخبير يجد نفسه في مواجهة من يجيد صناعة الجدل، وصاحب العمل الهادئ لا يملك بالضرورة أدوات التسويق التي يملكها صانع الضجيج. ليست المشكلة، إذن، في أن يتكلم الجميع، بل في أن يصبح الضجيج معيارًا للحكم على قيمة الكلام.
وفي مجتمعاتنا العربية، ومنها المجتمع الموريتاني، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة. فنحن بحاجة إلى فضاء رقمي يفتح المجال للمواهب والأفكار الجديدة، لكنه يحتاج كذلك إلى ثقافة عامة تميّز بين الشهرة والخبرة، وبين حرية التعبير والمسؤولية، وبين النقد الذي يفتح باب الإصلاح والإساءة التي لا تنتج إلا مزيدًا من الاستقطاب. كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مدعوة إلى منح المعرفة حضورًا جذابًا، لا أن تترك المجال فارغًا ثم تكتفي بالشكوى من صعود السطحية.
من هنا، فإن الحديث عن «عالم ما بعد التفاهة» لا يعني أننا نعيش نهاية هذا العصر، ولا أن التفاهة ستختفي بقرار أو حملة عابرة. إنه سؤال عن إمكانية استعادة الإنسان حريته في اختيار ما يستحق انتباهه، وألا يترك الخوارزميات وحدها تحدد أولوياته، وألا يتعامل مع كل ما ينتشر بوصفه جديرًا بالمتابعة. وقد يبدأ التغيير من عادات صغيرة: أن نمنح الكتاب وقتًا، وأن نصغي إلى الفكرة قبل الحكم عليها، وأن نكف عن مكافأة الإساءة لمجرد أنها مسلية، وأن نعيد الاعتبار إلى أصحاب الاختصاص والعمل الهادئ. ولا يتحقق ذلك باحتقار الجمهور أو إقامة جدار بين النخبة والناس، بل ببناء ثقافة تجمع بين الجاذبية والعمق، وتؤمن بأن البساطة ليست عيبًا، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتسطيح.
المطلوب ليس عالمًا بلا ضحك أو ترفيه، بل عالم لا تنتحل فيه التفاهة صفة المعنى، ولا تصادر فيه الشهرة مكانة المعرفة، ولا يُقاس فيه نجاح الإنسان بعدد العيون التي تراقبه وحده. لعل أخطر ما تفعله التفاهة أنها لا تسرق الوقت فحسب، بل قد تعيد تشكيل الطموح نفسه: فيصبح هدف الإنسان أن يُرى لا أن يستحق الرؤية، وأن ينتصر في معركة الظهور ولو خسر شيئًا من ذاته. أما عالم ما بعد التفاهة، إن كان له أن يولد، فسيبدأ حين ندرك أن الحياة ليست مسابقة مفتوحة لجذب الأنظار، وأن أكثر الأشياء قيمة قد تكون أقلها ضجيجًا. فالتحدي الحقيقي ليس أن ننجو من التفاهة فحسب، بل أن نستعيد قدرتنا على إنتاج المعنى في زمن يزداد فيه كل شيء حضورًا، بينما يتراجع الإصغاء إلى ما يستحق البقاء.
منوعات
⚠️محذوفمنوعات
منوعات
منوعات