مناشدات الجاليات لنقل موتاها وتعليم أبنائها: هل نسينا معاناة أهلنا في الداخل؟


هذا الخبر بعنوان "الجاليات تطالب بنقل موتاها وتعليم أبنائها.. فمن يتذكر معاناة أهلنا في الداخل؟" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
توقفت طويلاً عند التوصيات الصادرة عن المنتدى الأول للجاليات الموريتانية، خاصة المطالب التي قدمها ممثلو الموريتانيين في الخارج إلى نواكشوط. من بين هذه المطالب إنشاء صندوق للمساعدة الاجتماعية يشمل نقل جثامين المتوفين في الخارج، وتأسيس مراكز تعليمية وثقافية لأبناء الجاليات. شعرت بخيبة أمل، ليس لعدم مشروعية هذه المطالب، بل لغياب رؤية أعمق لواقع البلد وإدراك لحجم الأزمات التي يعاني منها المواطن الموريتاني في الداخل.
إننا نتحدث عن بلد لا تزال مناطقه تعاني من نقص المياه والكهرباء، وقرى تفتقر للمدارس، وتجمعات سكانية محرومة من الخدمات الصحية الأساسية، حيث قد لا يجد المرضى سيارات إسعاف لنقلهم. حتى العاصمة نواكشوط، التي استضافت المنتدى، تعاني أحياؤها من انقطاعات المياه والكهرباء ومشكلات الخدمات الأساسية. في ظل هذا الواقع، يطالب ممثلو الجاليات بنقل جثامين الموتى من الخارج وفتح مراكز تعليمية لأبنائهم في بلدان الإقامة. أليس هذا مدعاة للتساؤل؟
كيف نفكر في نقل جثمان موريتاني من أمريكا أو أوروبا إلى وطنه، بينما قد يعجز موريتاني في إحدى قرى الداخل عن الوصول حيًا إلى مستشفى لغياب سيارة إسعاف؟ وكيف نطالب بخدمات تعليمية إضافية لأبنائنا في دول متقدمة تعليميًا، بينما هناك أطفال في قرى موريتانية لا يجدون مدرسة قريبة؟ لا أدعو للتخلي عن حقوق المغتربين أو تجاهل معاناتهم، لكنني أتساءل عن أولوياتنا ومدى حضور معاناة أهلنا في الداخل في تفكيرنا.
ليس كل حاجة مشروعة يجب أن تكون أولوية وطنية، ولا كل مشكلة تواجه الجاليات تستدعي إنشاء صندوق أو مؤسسة جديدة. اللافت للنظر أن جاليات تضم رجال أعمال وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعات، ممن اكتسبوا خبرات في مجتمعات متقدمة، تقدم مطالب تتعلق بخدمات يمكن للجاليات نفسها تنظيم جهودها لمعالجتها. فهل تعجز هذه الجاليات عن إنشاء صندوق تضامني لنقل جثامين موتاها؟ وهل يجب أن تتحول هذه المسألة إلى مطلب وطني يتصدر توصيات مؤتمر يفترض أن يناقش مستقبل علاقة الموريتانيين بالوطن؟
ماذا عن المساهمة في بناء المدارس داخل موريتانيا، أو توفير سيارات إسعاف للمناطق النائية، أو دعم مشاريع المياه والطاقة؟ كنت أتوقع من المنتدى مبادرات من الجاليات، لا أن تكون المطالب الموجهة للدولة هي العنوان الأبرز. كنت أتوقع التزامًا جماعيًا بدعم التعليم الريفي، أو مساندة المستشفيات الداخلية، أو مبادرات طبية وتكوينية من الأطباء الموريتانيين في الخارج. ورغم أن التوصيات تضمنت الحديث عن تعبئة الكفاءات ودعم الاستثمار، إلا أنني كنت أتمنى التزامات أكثر تحديدًا وأهدافًا واضحة.
ما أزعجني هو الانطباع بأن بعض ممثلي الجاليات يرون الوطن من زاوية احتياجاتهم الخاصة فقط، متجاهلين معاناة المواطنين في الداخل. نحن في الخارج نعرف صعوبة الحياة، ونعرف مشكلات المغتربين، لكننا نعرف أيضًا الفارق الهائل بين الخدمات المتاحة في بلدان إقامتنا وما هو متوفر لأهلنا في قرى موريتانيا. هذا الفارق كان يجب أن يدفعنا لتقديم شيء ملموس لأهلنا، لا العودة بمزيد من المطالب لأنفسنا.
لا أدافع عن الحكومة أو أُبرر عجزها، فمسؤوليتها قائمة. حديثي موجه للجاليات نفسها. هل هذا هو سقف طموحنا بعد سنوات من الهجرة واكتساب العلم والخبرة؟ هل أبرز مساهماتنا المطالبة بمزيد من الخدمات لنا ولأسرنا في الخارج؟ ألم يكن الأجدر التفكير فيما يمكن أن نقدمه للوطن بدلًا من الانشغال بما يمكن أن نحصل عليه منه؟
لا يُطلب من المغترب حمل أعباء دولة بأكملها، لكن من حق المجتمع انتظار مستوى مختلف من التفكير والمبادرة من نخبه وكفاءاته في الخارج. ومن حق المواطن الذي يعيش في قرية بلا ماء أو كهرباء أو خدمات صحية أن يتساءل عما يحمله له أبناء وطنه القادمون من الخارج.
كنت أتمنى أن يعود ممثلو الجاليات بمشاريع لإنقاذ مدارس مهددة، أو مبادرات لتوفير سيارات إسعاف، أو برامج لدعم القرى الأكثر احتياجًا. كنت أتمنى سماع تعهدات محددة من رجال الأعمال والكفاءات الموريتانية في الخارج بمشاريع تنموية تخدم احتياجات الناس، لا مصالحهم المباشرة. ما الذي يمنعنا من أن نكون جاليات تعطي بقدر ما تطالب، وتبادر قبل أن تنتظر، وتحمل هموم الوطن بدلًا من أن تحمل إليه همومها وحدها؟
هذه التوصيات لا تعكس كامل إمكانات الجاليات الموريتانية، ولا مستوى الطموح المنتظر من ملتقى جمع ممثلين عن موريتانيين يملكون تجارب كان يمكن أن تكون مصدرًا لأفكار أكثر نضجًا وأثرًا. انتهى المنتدى، وبقيت أسئلة يجب أن نطرحها على أنفسنا: ماذا قدمنا لأهلنا في الداخل؟ كم مدرسة ساهمنا في دعمها؟ كم مريضًا ساعدنا في علاجه؟ كم قرية استفادت من خبراتنا وإمكاناتنا؟
قد تكون هذه الأسئلة محرجة، لكنها أهم من كثير من المطالب التي حملناها إلى نواكشوط. أهلنا في الداخل لا ينتظرون منا حل جميع مشكلاتهم، لكنهم يستحقون مكانًا في أولوياتنا. أخشى أن نكون قد ذهبنا إلى الوطن لنحدثه طويلًا عما ينقصنا في الغربة، ونسينا أن نسأل عما ينقص أهله وهم يعيشون فيه.
منوعات
منوعات
منوعات
سياسة