موريتانيا
اقتصاد

من الصفقات الكبرى إلى تنمية مستدامة: موريتانيا تعيد تشكيل مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي

الأخبار١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٨ م0 مشاهدة
من الصفقات الكبرى إلى تنمية مستدامة: موريتانيا تعيد تشكيل مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من الصفقات الكبرى إلى تنمية أكثر عدالة واستدامة" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع انطلاق المسار الديمقراطي في موريتانيا أواخر القرن الماضي، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تزامن ذلك مع تدفق متزايد للتمويلات الخارجية وتوسع تدخل الدولة في مجالات البنى التحتية والخدمات الأساسية. لم تكن هذه التدخلات مجرد تغيير في حجم الإنفاق العمومي أو طبيعة المشاريع المنفذة، بل رافقتها إعادة تشكيل تدريجي للبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الموريتاني. شهدت البلاد هجرة متزايدة من الأرياف إلى المراكز الحضرية، وتراجعت مركزية الأنشطة التقليدية كالزراعة المطرية والتنمية الحيوانية. في المقابل، توسعت مجالات جديدة لاكتساب الدخل والثروة، من بينها الوظيفة العمومية، والأشغال العامة، والصيد، والتجارة، والخدمات.

في الوقت نفسه، تزايدت أعداد خريجي الجامعات والمعاهد العليا، بمن فيهم المهندسون والفنيون والمتخصصون في مختلف مجالات المعرفة. وجدت البلاد نفسها أمام تحد مزدوج: كيف تستوعب هذه الكفاءات المتنامية؟ وكيف تحولها من عبء على سوق العمل إلى قوة فاعلة في الإنتاج والتنمية؟ لمواجهة هذا التحدي وغيره، اعتمدت الدولة برامج متعددة استهدفت تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وإشراك الفاعلين الوطنيين في تنفيذ المشاريع الوطنية.

في هذا السياق، تستحق تجربة امكستب (AMEXTIP) الوقوف عندها، باعتبارها إحدى التجارب التي أتاحت خلال فترة من تاريخ التنمية في موريتانيا فرصاً مهمة لمكاتب الدراسات ومؤسسات المقاولات الصغيرة والمتوسطة في تنفيذ المشاريع العمومية. على الرغم مما شاب هذه المؤسسة من اختلالات وتحديات إدارية ومالية، فإن من أبرز جوانبها الإيجابية اعتماد مقاربة أتاحت توزيع جانب من التمويلات والمشاريع على عدد معتبر من المتدخلين، بدل تركيزها في عدد محدود من المؤسسات الكبرى. وقد مكن هذا التوجه من فتح المجال أمام نشوء مكاتب للدراسات الهندسية ومؤسسات المقاولات الصغيرة. كما أتاح لعدد من المهندسين والإداريين اكتساب الخبرة المهنية وتحويل معارفهم الأكاديمية إلى إنتاجية. ومكنت هذه المقاربة من تداول الموارد المالية داخل الاقتصاد الوطني، ووسعت دائرة المستفيدين من الإنفاق العمومي، وأتاحت لمزيد من المهنيين الانتقال من الاعتماد على الوظيفة العمومية أو انتظار التوظيف إلى إنشاء مؤسساتهم الخاصة وممارسة أنشطة اقتصادية مستقلة.

غير أنه مع تعاقب الحكومات وتغير التوجهات الاقتصادية، تراجعت في عدد من المجالات المقاربة القائمة على توسيع دائرة المستفيدين من المشاريع العمومية، لصالح توجه متزايد نحو تجميع المشاريع في صفقات كبرى تسند إلى عدد محدود من المؤسسات. مما قلص بشكل كبير فرص المشاركة أمام مؤسسات المقاولات الصغيرة والمتوسطة. فأصبحت قدرتها على الاستمرار والتطور مرتبطة في كثير من الأحيان بمدى وصولها إلى شبكة ضيقة من المقاولين الكبار، بدل اعتمادها على سوق تنافسية مفتوحة.

إن آثار هذا التركيز تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر لتطال البنية الاجتماعية نفسها. فالمهندس الذي كان بإمكانه تأسيس مكتب دراسات، والمقاول الذي يستطيع تأسيس مؤسسة صغيرة تتوسع تدريجياً، والفني الذي كان بمقدوره إنشاء ورشة، وجدوا أنفسهم أمام سوق تضيق فيها فرص المبادرة المستقلة، ويزداد فيها الاعتماد على الوظائف المحدودة أو العمل غير المستقر. ومن ثم، فإن تركيز الإنفاق العمومي في أغلفة كبيرة لا يعني فقط حرمان بعض المؤسسات من الصفقات، بل قد يؤدي أيضاً إلى تركيز الدخل والثروة في أيدي فئة محدودة، وإضعاف قدرة المجتمع على بناء طبقة وسطى واسعة.

تحتاج موريتانيا اليوم إلى بناء طبقة وسطى عريضة، لا تقتصر على الموظفين وأصحاب الدخول الثابتة، بل طبقة من المهنيين أصحاب المبادرات المستقلة الصغرى والمتوسطة في مختلف المجالات. فهذه الطبقة تتميز بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة ورأس المال المحدود إلى أنشطة اقتصادية مستمرة، وتوفير فرص عمل تفوق بكثير تلك التي تنتج عن الورشات الكبرى. إن خلق طبقة وسطى منتجة يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، لأنها تمنح الأفراد مسارات واقعية للترقي الاقتصادي والاجتماعي قائمة على الكفاءة والمبادرة والعمل، بدل أن تظل الفرص مرتبطة أساساً بالوظيفة العمومية أو العلاقات الشخصية أو القرب من مراكز النفوذ.

إن تصحيح الاختلالات الجسيمة في توزيع الثروة الناتجة عن سياسة تجميع الإنفاق العمومي في الصفقات الكبرى يستلزم إعادة توجيه السياسة التنموية نحو توزيع أوسع للفرص، دون المساس بالمشاريع الكبرى التي تتطلب الدقة والاستثمار الكبير، أي الموازنة بين الاستثمارات الاستراتيجية وبرامج التنمية المتوسطة والصغيرة. ويمكن أن يستند هذا النموذج إلى مجموعة من التدابير، من بينها:

  1. تخصيص برامج استثمارية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة: ينبغي أن تتضمن الخطط القطاعية السنوية للدولة برامج واضحة للمشاريع التي يمكن تنفيذها بواسطة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بدل حصرها في حزم كبيرة.
  2. إصلاح آليات إسناد الصفقات العمومية: يتطلب هذا الإصلاح مراجعة الشروط الإدارية والمالية والفنية التي قد تستبعد المؤسسات الصغيرة دون ضرورة موضوعية، مع المحافظة على قواعد النزاهة وجودة التنفيذ. ومن الأدوات الممكنة تقسيم بعض المشاريع إلى حزم متناسبة مع قدرات المؤسسات الصغرى والمتوسطة، واعتماد معايير تأهيل متدرجة بحسب حجم المشروع ومخاطره، وضمان تكافؤ الفرص بين المنافسين.
  3. تسهيل تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة: كثيراً ما تعاني المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من صعوبات في الحصول على التمويلات وتوفير الضمانات المطلوبة وتحمل الفترات الطويلة بين تنفيذ المشاريع وتسلم مستحقاتها. وعليه، يلزم القيام بإصلاح يعالج الإشكاليات المذكورة آنفاً.

من الإشكاليات الأساسية التي تواجه بلدنا ليست فقط كيف نزيد حجم الاستثمارات، بل كيف نجعل من هذه الاستثمارات وسيلة لتوسيع قاعدة المشاركة في إنتاج الثروة وتحويل الموارد العامة إلى فرص حقيقية للعمل والاستقرار والترقي الاجتماعي.

شارك الخبر: