لماذا تتكرر أزمات المشاريع الكبرى في موريتانيا: تحليل معمق للأسباب والحلول


هذا الخبر بعنوان "لماذا أصبح تعثر المشاريع الكبرى في موريتانيا عادةً لا مفر منها؟" نشر أولاً على موقع الأخبار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
رغم التمويل المتاح والإرادة المعلنة والحاجة الملحة، يظل السؤال قائماً: أين تكمن أسباب تعثر منظومة إنجاز المشاريع الكبرى في موريتانيا، وكيف يمكن استعادة الثقة في قدرتها على التحول إلى خدمات نافعة في مواعيدها المحددة؟ لم يعد تأخر المشاريع العمومية مجرد حادث عرضي، بل أصبح مؤشراً على تحديات تواجه المنظومة بأكملها. تشير الحكومة إلى أن 57 صفقة من أصل 106 صفقات كبرى تجاوزت آجالها التعاقدية بنهاية ديسمبر 2025، بمعدل استهلاك للآجال بلغ 129% مقابل تقدم في الأشغال لا يتجاوز 52%. وفي المقابل، تم إنجاز أو وضع قيد التشغيل 30 صفقة منذ يوليو 2025، مع تحسن ملحوظ في وتيرة بعض البرامج. هذه الأرقام تعكس صورة مركبة تتطلب تحليلاً دقيقاً بدلاً من الإدانة المطلقة أو الاطمئنان المفرط.
إن السؤال الجوهري ليس حول وجود الإرادة المعلنة، بل حول كفاية هذه الإرادة والموارد والمتابعة الرسمية لضمان انتظام التنفيذ. هل يتكرر التعثر بفعل ظروف قاهرة حقاً، أم بسبب اختلالات متأصلة في الدراسات، والتعاقد، والتنسيق، والمساءلة؟
تفسيرات مألوفة وعقبات حقيقية:
تتردد تفسيرات تقليدية لتعثر المشاريع، مثل بعد المسافات، وحرارة الصحراء، وموسم الأمطار، وصعوبة التربة، وتكاليف النقل والتوريد. ورغم أن هذه الصعوبات حقيقية، إلا أنها ليست جديدة أو غير متوقعة. فالمناخ والجغرافيا ومواسم العمل هي معطيات أساسية لأي دراسة جدية، وطبيعة التربة تستدعي استقصاءات فنية كافية قبل التسعير والجدولة. الاستثناءات الوحيدة التي تستوجب معالجة تعاقدية خاصة هي الظروف الاستثنائية التي تعذر توقعها أو تفادي آثارها بصورة معقولة. أما أن يُحدد موعد جذاب أولاً ثم يُكتشف الواقع لاحقاً، فهذا يعكس خللاً في منهج التخطيط وليس في الجغرافيا.
تجارب قطاعية تكشف الخلل:
في قطاع الطاقة، يبرز خط الجهد العالي بين نواكشوط والزويرات كمثال، حيث لا يكفي تقدم العمل في الأبراج والموصلات إذا تأخرت محطات التحويل والربط والاختبارات. وفي قطاع الطرق، يكشف تأخر بعض المقاطع، مثل طريق النعمة – انبيكت لحواش، أن تعبئة التمويل وإطلاق الأشغال لا يغنيان عن متابعة المسار الحرج. كما أثارت تصريحات رسمية بشأن طرق آفطوط مسألة تأخر اعتماد مكتب المراقبة بعد انطلاق التنفيذ. وفي قطاع الصحة، تذكرنا توسعة مركز الاستطباب الوطني ومشروع مستشفى الملك سلمان بأهمية تزامن البناء والتجهيز والتشغيل. أما في قطاعات المياه والتعليم والزراعة والخدمات، فإن العبرة ليست بإقامة منشأة فحسب، بل بتوافر الشبكات، والكادر البشري، والصيانة، والميزانية، والقدرة على تقديم الخدمة. ولا يصح وصف كل مشروع في هذه القطاعات بأنه متعثر دون توثيق خاص بحالته.
اختلالات في التنسيق والمساءلة:
عندما يعمل كل طرف وفق إجراءاته ويتعطل المشروع ككل، قد يكون السبب ضعف تجهيز المقاول أو سيولته، أو عدم جاهزية الموقع، أو تغير المخططات، أو تأخر المستحقات، أو عدم صدور قرار فني. وفي الجانب الإداري، قد تؤدي كل جهة واجبها الإجرائي منفردة، بينما تضيع النتيجة بين وزارة ممولة، وإدارة مالكة، ومصلحة ترخيص، ومكتب مراقبة، ومقاول، وجهة ستتولى التشغيل. هنا لا تكفي التعليمات العامة بتسريع الأشغال؛ بل يلزم وجود مسؤول تنسيق يملك حق طلب القرار وتصعيد التعارض، وسجل للعوائق يحدد لكل مشكلة صاحب القرار والمهلة والإجراء التصحيحي.
المناقصة لا تشتري وعدًا بل قدرة مثبتة:
ليس السعر الأدنى هو المكسب إذا جاء من عرض لا يستطيع صاحبه تنفيذه. يجب اختبار المعدات المتاحة فعلاً، والخبرات الميدانية، والطاقم الرئيسي، والسيولة، والالتزامات الجارية، والسجل السابق في الجودة والآجال. ويجب التحقق من العروض المنخفضة بصورة غير معتادة دون التضييق على المنافسة. بالمقابل، لا تُفرض الصرامة على المقاول وحده؛ يجب أن تلتزم الجهة المالكة بموعد تسليم الموقع والمخططات والاعتمادات والدفعات. ويُوثق سبب كل تمديد، ويُميز بين تقصير المقاول والتأخر المنسوب للإدارة والتغيرات المشروعة. الشفافية لا تعني فقط إعلان اسم الفائز، بل وضوح معيار الاختيار وتعديلات العقد ونتائج التنفيذ.
موعد الإنجاز: التزام هندسي لا مسكن إعلامي:
ينبغي أن يُبنى الأجل على كميات الأعمال، وإنتاجية المعدات، وسلاسل التوريد، وفترات الاختبار، ومخاطر الطقس والتربة، والتمويل، والقرارات الإدارية. وتُراجع الجدولة مستقلًا قبل إعلانها، ويُدرج هامش مخاطر مبرر بدل موعد افتراضي قصير تُعالجه لاحقاً سلسلة تمديدات. ليس المطلوب إطالة كل مشروع، بل اعتماد تاريخ يمكن الدفاع عنه فنيًا والالتزام به مؤسسيًا. فالثقة لا تُصنعها المواعيد المتفائلة، بل المواعيد التي تُحترم.
من رقابة النسب إلى إدارة العوائق والنتائج:
تُظهر البيانات الرسمية أن الحكومة أنشأت آليات متابعة وأن بعض البرامج حققت تقدماً ملموساً، وهذا أساس ينبغي تطويره. لكن نسبة الإنجاز وحدها قد تخفي تأخر مكونة حاسمة. لذلك يلزم تقرير شهري موجز يجمع التقدم المادي والمالي، والأنشطة الحرجة، والقرارات المتأخرة، وأسباب التعديل، وتاريخ الجاهزية للتشغيل. كما يلزم نشر مؤشرات مبسطة للمواطنين، وتدقيق مستقل لعينة من العقود الكبرى، والاستفادة من مسار إصلاح الصفقات والرقمنة الجاري بدل إنشاء هياكل موازية.
المشروع لا ينتهي يوم يغادر المقاول:
قد تكتمل مدرسة بلا معلمين كافين، أو منشأة صحية دون طواقم وميزانية تشغيل، أو بنية مائية دون ترتيبات صيانة مستدامة. لذلك ينبغي أن تبدأ خطة التشغيل مع دراسة الجدوى: من سيستغل الأصل؟ بأي موارد؟ وبأي كلفة سنوية؟ وكيف تُقاس الخدمة بعد سنة وثلاث سنوات؟ فنجاح الإنفاق العمومي لا يُقاس بإنجاز الجدران، بل بالمنفعة التي تنتجها.
حزمة إصلاح قابلة للتطبيق:
يمكن البدء، دون انتظار إصلاح شامل، بخمس خطوات مترابطة: مراجعة مستقلة لأسباب تعثر عينة من المشاريع المنطلقة فعلاً؛ اعتماد «بوابة جاهزية» تمنع إصدار أمر بدء الأشغال قبل استكمال الشروط الأساسية؛ بناء قاعدة بيانات لأداء المقاولين والكلف والآجال الفعلية؛ فرض مهلة واضحة لكل قرار إداري أو مالي مؤثر على المسار الحرج؛ وربط الاستلام النهائي بخطة تشغيل وتمويل وصيانة قابلة للتحقق. تُجرب الحزمة في مشاريع من قطاعات مختلفة، وتُقاس نتائجها خلال عام، ثم تُصحح وتُعمم. وهكذا تتحول التجربة من ملف يُطوى إلى معرفة مؤسسية تُستخدم.
خاتمة: من ثقافة التدشين إلى موثوقية الإنجاز:
الإنصاف يقتضي الاعتراف بتحديات الإدارة والمقاولين وبما تحقق من تقدم، كما يقتضي رفض تحويل الصعوبات المعروفة إلى أعذار دائمة. ليست القضية اتهام النوايا، بل بناء منظومة لا تحتاج إلى تدخل استثنائي كلما تعثرت ورشة. وحين تُدرس المشاريع بصدق، وتُختار الكفاءات بشفافية، وتُضبط المسؤوليات، وتُحترم المواعيد، يصبح الإنجاز قاعدة لا مفاجأة. فمصداقية الدولة لا تُقاس بكثرة ما تعلن من مشاريع، وإنما بقدرتها على تحويل وعودها إلى خدمات تصل إلى الناس، في الوقت الذي وعدت به وبالجودة التي يستحقونها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة